أخبار » تقارير

"محمد" يسابق طموحه بلا قدمين

01 آب / يونيو 2015 02:30

الرأي - نور اسليم

شخصيته اجتماعية بامتياز، تجلس في القلب فوراً كما يصفه أصدقاؤه ، فبمجرد وصوله لأي مكان يبدأ بتشبيك العلاقات مع هذا و ذاك ،يهوى السفر فلطالما تنقل ما بين البلدان كالأردن والامارات و العراق و مصر قبل أن يستقر في غزة مطلع 2005، فضلاً عن أنه رياضي من الدرجة الأولى، حيث أنه حاصل على 3 دان (الحزام الأسود) في التيكوندو.

 الجريح المهندس محمد النجار ، أصيب أثناء أداء عمله في الصيانة في أحد مراكز الشرطة التي تم قصفها أول أيام الحرب على غزة مطلع 2008/2009 والتي سميت بمعركة " الفرقان"، ما أدى لبتر في كلتا قدميه، ليصبح بعدها أسيراً لكرسي متحرك لا يقيد فقط حركاته التي لا لم تكن تنتهي بل أنها حجمت إلى حد ما من قراراته التي كان لا يستغرق وقتاً طويلاً في أخذها .

ابني ما مات

بعد القصف، هلعت كل عائلته إلى المشافي القريبة علها تجد خبراً هنا أو هناك ليطمئنها على ابنها الذي يتواجد في أحد المقار المقصوفة، ولكن مضى اليوم الأول و لا خبر عن محمد، شقيقه الأكبر منه أخذ يقلب يديه ويردد لا حول ولا قوة إلى بالله وكأنه استسلم لسماع خبر استشهاده مع كثرة أعداد الشهداء التي ترتفع بالمئات، ليقاطعه صوت أمه الذي أوقف حركة يديه التي سلمت للقدر قبل أن يحدث وأعاد إليه الأمل يأن يرى أخيه من جديد وهي تقول " لأ ابني ما مات .. ابني عايش".

وبينما لم تتوقف رحلة البحث في كل مشافي القطاع عن محمد ، فإذ بالهاتف يرن ويخبرهم بأن ابنهم لا زال حيٌ يرزق في أحد عنابر مشفى الشفاء الطبي، بعدها هبت قلوبهم قبل أجسادهم إلى المكان، لتقر عيونهم بابنهم ، لكن خبر استشهاده الذي انتشر هون عليهم كثيراً فاجعة بتر قدميه.

حيث كان الحمد و الشكر لله على نجاة ابنهم هو سيد الموقف، لكن سرعان ما تدهورت حالة محمد الصحية بسبب كثرة الاصابات وضعف الامكانات، ليقرر الأطباء تحويله للعلاج بالخارج ، وهنا رافقه أخيه إلى مصر وكان نصيبهم دولة المغرب حيث تبنتهم طائرة مغربية مع جريحين آخرين.

وتزامن مع هبوط طائرته أرض المغرب هبوط طائرة شقيقه الأصغر منه و الأقرب إليه خالد قادماً من إسبانيا ، وطائرة شقيقته التي قدمت مع زوجها من أبو ظبي، لأن كل المكالمات  لم تروي عطشهم  بالاطمئنان على أخيهم .

ثم ما لبث حتى عاد بنا محمد في ذاكراته الى الوراء قبل ست سنوات من الآن ليحكي عن فتره علاجه التي استمرت قرابة الخمس شهور، قائلاً :" لم أستوعب أمر فقدان أقدامي بسرعة بل استغرقت وقتاً لا بأس به نظراً لطبيعتي التي تعشق التنقل بحرية دون قيد او شرط "، مستدركاً  كلامه بأنه لم يكن بذلك معترضاً عما حدث ، بل إنه احتاج فترة من التفكير لدراسة وضعه الجديد مع ايجاد طرق للتأقلم و التكيف معه حسب تعبيره.

صراع أفكار

العمل ، الطموح ، العائلة ، أولادي ، مشاريعي، كرسي متحرك ، وكلمات كبيرة  أخرى كانت تتصارع داخل دماغه الصغير الذي لم يستوعب بعد فكرة العجز و الأسر لشئ مهما كان، مشيراً بإصبعه إلى شقيقه خالد الذي أسمى بكره على اسمه ويقول :" بفضل عائلتي تجاوزت كل ذلك، أمي و أخوتي و زوجتي لم يتركوني ولو للحظة"، ثم يردد "الفضل لهم الفضل لهم .

المميز في محمد ثلاثيني العمر أن فرصة علاجه في المغرب، جعلته يعود و يقف على قدميه من جديد، معترفاً بأنه على قدر صبره و احتسابه على قدر ما عوضه الله، وبث في جسده الذي أنهكه الدواء العزيمة و الإرادة المدعمة بالإصرار الشديد على العودة إلى المشي من جديد ولو بأطراف حديدية تلفها خيوطاً بلاستيكية تحمل لون الجلد وطراوته .

وبعد رجوعه لأحضان بيته، و الحفل المهيب الذي أعد لاستقبال البطل بحضور المئات من أفراد العائلة و الأصدقاء وغيرهم ، فضلاً عن الولائم التي أعدت شكراً لله على عودته بالسلامة، عاد محمد من جديد، وعاد معه طموحه الذي لم يفارقه و عادت معه مشاريعه التي لا تنتهي.

محمد بشخصيته العنيدة  المغامرة وبنفسه العزيزة، عاد لعمله في الوظيفة الحكومية كما قرر أن يدخل مشروعاً لتربية الدواجن، واشترى سيارة لنفسه جعلته يتحرك في أي وقت و يتنقل دون أن ينتظر أحداً لمساعدته،

وفي أحد الليالي جئت إليه  ولإخوتي لأستشيرهم  في مشروع افتتاح مطعم، جميع الإخوة رفضوا الفكرة معللين بأن ظروف غزة سيئة ولا تسمح بعمل أي مشروع، إلا أبو خالد تبناها بالكامل، ولم ينتظر لحظة وبدأ مرحلة البحث و التخطيط فهو العقل المدبر له وأنا اقتصرت مهمتي على تنفيذ كل ما يخطط له أخي ، كما قال شقيق محمد، خالد.

وتابع :" لم تؤثر الإصابة على أخي و لم تهز شخصيته أمامنا ، فلا يزال هو وجه العيلة، باعتباره اجتماعياً ويمتلك مكانة مرموقة في المجتمع لم تتغير أبداً بل أنها زادت "، مشيراً إلى أنهم افتتحوا المطعم قبل ثلاثة شهور في منتصف المدينة وبانتظار النتائج آملين بأن ينجح مشروعهم .

طالما أنك تتنفس

وعن أبرز الصفات التي تميز  الجريح محمد قال لنا خالد:" عزة النفس، فمنذ اصابته لم اذكر يوماً أنه قال كلمة "انا جريح" لأحد، ومن المواقف الدالة على ذلك موقف أخوه في الباص مضيفاً :" اخي كان يفضل الجلوس في سيارات الاجرة في المقعد الامامي ، وذات مرة جلس ينتظر اكتمال عدد الركاب حتى يسير الباص ، ثم جاءه رجل يطلب منه أن يجلس هو وزوجته وهو يعود للوراء، فلم يكن جوابه إلا على الرحب والسعة، وهنا يعلق بأن محمد فضل أن ينتقل لباص آخر على أن يقول لهما "أنا جريح".

كما أن محمد قام بتدريب أبنائه الخمسة ومن ضمنهم ابنته الوحيدة على رياضة التيكوندو، وباتو يتقنوها لدرجة كبيرة على الرغم من أنها رياضة تعتمد بدرجة أساسية على القدمين ، هذه الحالة أثارت استغراب أقرب الناس اليه في أنه كيف نقل لهم هذه الرياضة وهو بحالته هذه، لأن عمر ابنه البكر خالد لم يتجاوز الثلاث سنوات وقت إصابته.

وختم محمد كلامه مع " نبض الجريح" بالقول " طالما أنك تتنفس عليك ألا تفقد الثقة بنفسك و قدراتك ومهمها كبر حجم ألمك لا تدع اليأس يسيطر عليك .

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟