أثار قرار وكالة "الأونروا" بتجميد عمليات التوظيف وتقليص خدمات التعليم بقطاع غزة والضفة المحتلة ودول الجوار حفيظة واستياء جيش الخريجين والعاطلين عن العمل، معربين عن شعورهم بالإحباط واليأس من وراء هذا القرار لا سيما في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية بقطاع غزة والارتفاع الهائل في نسب البطالة، وتزايد أعداد الخريجين من كلا الجنسين.
فرج سعيد، خريج تربية رياضية من جامعة الأقصى بغزة، عبر عن شعوره بحالة كبيرة من الإحباط واليأس من قبل اتخاذ الوكالة لقرارها المجحف" .
وقال: "لم أحصل على فرصة عمل واحدة بعد التخرج، بالرغم من كوني تخرجت منذ 5 سنوات وتخصصي مطلوب، وسجلت عدة مرات لوظائف بالوكالة، وقمت بعمليات تحديث كثيرة للبيانات بدون فائدة ".
ولا يخفِ فرج قلقه وخوفه على مصيره ومستقبله كخريج في ظل ما تعانيه غزة من حصار وارتفاع نسب البطالة، موضحاً أن فكرة السفر خارج قطاع غزة بهدف العمل في إحدى الدول العربية ترد إلى ذهنه كثيراً، لكن إغلاق المعبر و الإمكانيات المادية تمنعه من تحقيق ذلك الحلم، فلا شيء في غزة بات جميلا "على حد وصفه".
مصائب عدة
وتشاركه الرأي صابرين حسن، خريجة الخدمة الاجتماعية من كلية المجتمع والعلوم التطبيقية، وقالت: " تخرجت منذ عدة سنوات، وتقدمت أكثر من مرة للوكالة بهدف الحصول على وظيفة، وكنت أمَني نفسي دائماً بأن غد سيكون أفضل ولكن لم تأت الرياح بما تشتهي السفن".
وأضافت: "لا يوجد أكثر من المصائب التي يعاني منها أهالي قطاع غزة، واحترنا من أين نتلقاها، وكأن غزة بحاجة إلى كوارث، حتى جاء قرار الأونروا ليقضي على ما تبقى من آمال لدينا كخريجين".
وأعربت عن أملها في أن تتحسن الظروف وتتراجع الوكالة عن قرارها، وأن تحاول جاهدة استيعاب عدد كبير من الخريجين ضمن فرص عمل ولو كانت مؤقتة.
بعد الموت السريري
بدوره، أكد المحلل الاقتصادي ماهر الطباع، أن قرار الأونروا بوقف التوظيف والتشغيل سيفاقم الأزمة التي تعاني منها غزة بالتحديد.
ولفت إلى أن معدلات البطالة في القطاع وصلت لـ 55%، فيما بات ربع مليون شخص عاطلين عن العمل، كما تفاقمت أزمة البطالة بين فئات الخريجين ووصلت نسبتها إلى 60% .
وقال الطباع في حديثه لـ "الرأي": "غزة تمر بمرحلة ما بعد الموت السريري، والمشهد بات ضبابياً وكارثياً، والاقتصاد بات على حافة الانهيار، وفئات الخريجين لا مستقبل لهم في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية بغزة"".
وأضاف: "الأونروا تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي من المانحين والمشاريع الدولية بالدرجة الأولى، لكن الحصار المطبق على قطاع غزة وتوقف عملية اعمار غزة وضعف الاقتصاد، وكونها المسئول المباشر عن اللاجئين الفلسطينيين من البداية وهذا يمثل ثقل على كاهلها".
وأفاد بأن قرار الأونروا بوقف عمليات التوظيف والتشغيل وتقليص خدمات التعليم كان متوقعا نتيجة الأسباب المذكورة وهي بذلك معذورة ".
مخاطر البطالة
وأوضح الطباع، أن قرار الوكالة بوقف عمليات التوظيف بغزة والضفة، ودول الجوار لن يحرم فقط الكثير من الخريجين العاطلين عن العمل من فرص الحصول على وظائف في هذا القطاع الحيوي والهام، ولكن سيتسبب أيضا في تزايد نسب البطالة بين خريجي الجامعات ويدق ناقوس الخطر بالنسبة لمستقبل هؤلاء وتأثير بطالتهم على المجتمع.
وحذر من تزايد مساعي الهجرة والمشكلات الاجتماعية، وانتشار جرائم القتل والسرقات وغيرها من المشكلات الاجتماعية والنفسية ذات الأبعاد الاقتصادية نتيجة الفقر وقلة فرص العمل.
القطاع الخاص والعام
ووفق ما ذكره الطباع فإن القطاع الخاص وفر الكثير من الوظائف للآلاف من الخريجين والعاطلين عن العمل، ولكنه حالياً غير قادر على توفير فرص عمل جديدة بسبب سياسة الاحتلال في تشديد الحصار على غزة.
وأوضح أن القطاع العام يعاني من تخمة وظيفية، وأن الفرصة متاحة لتوليد الوظائف فقط من خلال وكالة الأونروا والمؤسسات الدولية الكبرى بقطاع غزة والضفة الغربية.
قرار سلبي
ومن جهته، عدّ نبيل المبحوح، الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل بغزة، أن قرار الأونروا بوقف عملية التوظيف والتشغيل هو قرار سلبي لأنها مسئولة بشكل كبير تجاه اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1949، وهي المسئول المباشر عن توفير خدماتهم من صحة وتعليم وإغاثة.
وطالب الوكالة بالتراجع عن قراراتها، ودعم موازنتها بطريقة مناسبة والبحث بكل الوسائل لتوفير المستلزمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، والتواصل مع الجهات المانحة من أجل توفير الدعم المناسب لها .
الحكومة لا تستجيب
وأكد المبحوح في حديثه لـ "الرأي" أن حكومة الوفاق تتحمل جانبا من المسئولية تجاه فئات الخريجين بغزة والضفة، وأنها لم تستجب حتى الآن لإقامة مشاريع تعليمية وتشغيلية للكثير من الخريجين والعاطلين عن العمل بالحد الذي يليق بحجم الأزمة .
وأوضح أنه طالما لم تستجب الحكومة لهذه المطالب فستبقى الأزمة مستفحلة، وسيؤدي ذلك الى توغل البطالة بشكل كامل بين فئات الخريجين والعاطلين عن العمل والمواطنين بشكل عام في كل من غزة والضفة.
وحول دور وزارة العمل في إيجاد فرص عمل للخريجين ودعمهم، قال المبحوح:" مازالت الحكومة خدماتها شبه متوقفة إلا من بعض المشاريع الصغيرة التي لا ترتقي بحجم ارتفاع نسب البطالة بغزة "، معرباً عن أمله في إيجاد الحلول لخلق فرص عمل لهؤلاء الخريجين.
المسئولية مشتركة
وأضاف أن المسئولية متعلقة أيضاً بمختلف الوزارات التي من الممكن أن تفتح باب العمل للكثير من الخريجين، وتفعيل مشاريع التشغيل المؤقت والمشاريع الصغيرة والسعي لفتح باب إعادة الاعمار بغزة وإدخال مواد البناء والاسمنت لضمان استمرارية عجلة الاقتصاد.
كما دعا إلى فتح الأبواب أمام العمالة الفلسطينية للعمل في دول الجوار للتخفيف من نسب البطالة في فلسطين ".
وطالب المبحوح بفتح كل المعابر وإدخال رءوس الأموال الفلسطينية للقطاع، وفتح ميناء لغزة لما له من تبعات كبيرة ايجابية وحلول خلاقة لما يعانيه القطاع من مشكلات عديدة.
غياب للخطط والبرامج
بدوره، طالب نائب مدير عام العلاقات الدولية والعامة بوزارة التربية والتعليم بغزة، معتصم الميناوي، الحكومة بأن تقف أمام مسئولياتها تجاه أزمة الخريجين التي تتفاقم يوماً بعد يوم نتيجة غياب الخطط والبرامج الحكومية الهادفة إلى استيعاب أعداد الخريجين المتصاعدة وإيجاد حلول عملية لمعضلة البطالة.
وبشأن قرار وكالة الأونروا تجميد عمليات التوظيف والتشغيل للخريجين، قال الميناوي:" إن وزارته لا تتدخل في أي قرارات تخص مؤسسات سواء في قطاع غزة أو خارجه، موضحا أن القرار يخص الأونروا ذاتها فهي أدرى بما تعانيه وبما تمر به من ظروف .
وحول دور وزارة التربية في ايجاد حلول وتوفير فرص عمل لخريجين وعاطلين عن العمل، أوضح أن الوزارة ليست مهمتها توفير فرص عمل وأن هذه المهمة مسئولية قطاعات ووزارات ومؤسسات أخرى.
أزمة مالية بالأونروا
وكان عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي للأونروا بغزة، أوضح أن قرارات تجميد عملية التوظيف لها علاقة بالعجز المالي لدى الأونروا، لافتاً إلى أن هذا الأمر ليس في غزة فقط، ولكن في كافة مناطق عمليات الأونروا (لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية والأردن).
وأشار أبو حسنة إلى أن هناك أزمة مالية تقدر بمائة مليون دولار في ميزانية الأونروا المنتظمة.
وأكد أن قرار تجميد التوظيف لم تتخذه الأونروا للمرة الأولى، بل كان هذا القرار قائماً خلال السنوات الماضية على فترات متباعدة، ولذلك سيبقي قائماً حتى تتحسن الظروف المالية، ويسد العجز الذي يقدر بمائة مليون دولار " .
وبيّن أن عمليات التوظيف في "الأونروا" بكافة المجالات ستخضع لشروط قاسية، ومراجعة شاملة لعمليات التوظيف وسيتم تجميد عمل كثير من العاملين.
وتفرغ الجامعات الفلسطينية كل عام الآلاف من الخريجين من كلا الجنسين من مختلف التخصصات، والذين ينضمون إلى عشرات الآلاف من الخريجين العاطلين عن العمل ولا تستوعب الوكالة منهم سوى المئات أو أقل بشروط معينة خاصة في مجال التدريس كوظائف ثابتة أو على بند البطالة " التشغيل المؤقت.
وكان تقرير صادر عن مركز الإحصاء الفلسطيني أفاد بوصول نسبة البطالة في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة إلى 27% مع نهاية العام الماضي.
وأشار إلى بلوغ عدد العاطلين عن العمل في الضفة إلى 143 ألف عاطل عن العمل، بحوالي 18% من المشاركين في القوى العاملة 15 سنة فأكثر؛ 15% للذكور و27% للإناث، في حين بلغ العدد 195 ألف عاطل عن العمل في قطاع غزة، منهم 40% للذكور و57% للإناث.

