داخل غرفة صغيرة لا ترى فيها إلا الأجهزة الطبية الموصولة بجسده الذي أنهكه المرض، ولا تفوح منها إلا رائحة الأدوية التي يتجرعها يوميا، يرقد دون حراك على سرير داخل غرفة العناية المركزة بالمستشفى، لا يفارقها ولو للحظة واحدة، جراء حادث مؤسف تعرض له حين كان يبلغ الثامنة من عمره، نتج عنها شلل رباعي أفقده القدرة على تحريك كامل جسده إلا رأسه فقط، وجعله حبيساً لا يستطيع إخراجه إلا من خلال جهاز التنفس الاصطناعي.
لقد حرم من طفولته التي لم يرَ خلالها سوى الأطباء والممرضين، ومنعه المرض من أن يلعب مع أطفال في عمره، إذ ظل طوال 9 سنوات حبيس سرير المستشفى، وأبى أن يهزمه المرض في امتشاق سلاح العلم الذي عده ينبوع الحياة له رغم فقدانه مقومات الحركة بشكل طبيعي ، فصمم على أن "العلم يعني الحياة " وتابع تقديم امتحانات الثانوية العامة بكل ثبات.
إنه طالب الثانوية العامة ناصر البحيصي، من سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، الذي تمكن بعزيمة قوية وإصرار كبير على المضي قدماً في حياته من دون أن يعبأ كثيراً بطبيعة مرضه، واستطاع تقديم امتحانات "التوجيهي" لليوم الثالث على التوالي في غرفة العناية المركزة بمستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة.
حبيس سرير المشفى وأوضح أحمد دلول رئيس قسم العلاقات العامة بمديرية التربية والتعليم بالمحافظة الوسطى أن الطالب البحيصي يعيش على جهاز التنفس الصناعي منذ 9 سنوات ولم يركن للمرض الذي أصابه، بالرغم من أنه لا يتحرك من جسده إلا رأسه وعيناه ولسانه ويستطيع التحدث فقط.
وقال دلول في حديث خاص للرأي :" بالرغم من أن حياة الطالب البحيصي ترتبط بأجهزة طبية لا يمكنه الاستغناء عنها أكثر من دقائق معدودة وإلا غادر الدنيا، إلا أنه أصر على استكمال مشواره التعليمي وهاهو الآن يقدم بكل عزيمة امتحانات الثانوية العامة".
وأكد دلول أن إدارة المستشفى توفر له مايلزم بغرفته من جهاز تلفزيون وراديو، وبعض الاحتياجات الأخرى التي تمكنه من متابعة العالم الخارجي.
ظروف مهيئة
وحول الظروف المهيأة للبحيصي داخل المشفى، أضاف دلول:" هناك متابعة من بعض المعلمين من وزارة التربية يقومون بزيارته باستمرار، ويتواصلون معه بشكل منتظم في كافة الاختبارات وتوضيح بعض الدروس والأسئلة ، إضافة إلى وجود كاتب يقوم بتفريغ الإجابات على ورقة الامتحانات ، كما يوجد مراقب عليه".
وكغيره من الطلبة، تنطبق أجواء تقديم امتحانات الثانوية العامة على الطالب البحيصي مثل كافة الطلاب بالرغم من كونه موجود داخل المستشفى، ويقوم والداه بالتواجد يوميا لزيارته 9 سنوات دون تحسن.
وفيما يتعلق بتحسن وضعه الصحي خلال 9 سنوات بالمشفى، أكد دلول أن صحة الطالب البحيصي لم تتحسن منذ دخوله المستشفى كونه يحتاج للسفر من أجل العلاج بالخارج ووضعه الصحي يكلف مبلغا كبيرا من المال ويحتاج إلى تجهيزات طبية تتوافق مع حالته.
وأشار إلى أن ظروفه المرضية تمنعه من الحركة كونه يعيش على التنفس الصناعي ولا يستطيع الاستغناء عنه ولو لدقائق معدودة.
ولفت دلول إلى أن الأطباء داخل المستشفى وضعوا على عاتقهم الاهتمام بحالة المريض البحيصي ويقومون بتشجيعه كثيراً، وتوفير الأجواء النفسية الهادئة له كي يتمكن من مواصلة حياته الاعتيادية في محاولة لمنع إحداث أي مضاعفات بوضعه الصحي.
وأوضح أن مديرية التربية تقوم بين الحين والآخر بزيارته، إلى جانب الزيارات المتكررة للطلاب له . ويعاني ناصر يعاني من قطع في الحبل الشوكي غير كامل بين الفقرة الأولى والثانية، وهذا المكان يتمركز على الجهاز التنفسي والأعضاء كاملة من عند الرقبة إلى الأسفل يتسبب في شلل كامل، إذ لا يصير فيها تحكم من الدماغ، ما يعني أنه يعاني من شلل كامل ورباعي.
ويقوم والد ناصر بزيارته بشكل شبه يومي في المستشفى، على أمل أن يستعيد واقعه ومستقبله، لكن ذلك لن يتحقق إلا بدعم أهل الاختصاص والمعنيين، علهم يجدوا علاجاً يمكنه فقط من مغادرة المستشفى إلى المنزل.
وكان وفد من وزارة التربية والتعليم قد زار الطالب البحيصي للاطمئنان على صحته مشجعين صموده وإرادته القوية والصلبة وعزيمته التي لا تلين في متابعته لتقديم امتحانات الثانوية العامة للعام الحالي رغم مرضه.
وأكد وفد الوزارة على أن وزارة التربية و التعليم العالي يولي أهمية كبيرة لذوي الاحتياجات الخاصة بمختلف مستوياتهم و أعمارهم، مثمناً جهود وزارة الصحة الفلسطينية و جهود مدير مستشفى الأقصى د. كمال خطاب على رعايتهم الكاملة للطالب البحيصي.

