انتشرت في قطاع غزة بعد الحرب الأخيرة فكرة إعادة استخدام ركام المنازل المدمرة في صناعة حجارة البناء، بعد أن أرغم الحصار المفروض على غزة الكثيرين إلى اللجوء إلى استخدام ركام المنازل المدمرة كبديل عنها في ظل إغلاق المعابر بشكل متواصل إلى جانب الحصار المفروض ومنع دخول مواد الاعمار لغزة.
لكن قضية احتواء ركام المنازل المدمرة على مواد ملوثة وإشعاعية قد تسبب ضرراً للإنسان والبيئة لم يكن بالحسبان، وأصبح من الواجب التأكد من خلوها من الإشعاعات الضارة.
المواطن سامي نصار، من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة، قال: "إنه اضطر إلى تجميع كمية كبيرة من الركام كما بدأ الكثيرون من أمثاله وإرسالها على عربات كارو إلى كسارة أحد المقاولين ليتم تحويله إلى حصمة وهي المادة الأساسية لصناعة الأسمنت ".
معاناة الحرب وما بعدها
"نصار" الذي يعيل أسرة مكونة من 10 أفراد، أكد أن الحرب الأخيرة على غزة دمرت أجزاء كثيرة من منزله كون المنطقة التي يسكن بها كانت هدفا رئيسيا لصواريخ الاحتلال ، موضحا أنه توقع الموت هو وعائلته في أي لحظة بسبب شدة القصف والدمار.
وحول قلقه من إمكانية احتواء ركام المنازل المدمرة على مواد مشعة ومسرطنة خطيرة ، أضاف:" إن إغلاق المعابر وتوقف إدخال مواد البناء والاسمنت دفعني الى ذلك ، وخلال الحرب واجهت المخاطر، وماذا تبقى من الحياة لأخاف عليه".
وأشار إلى أن كبر حجم معاناته وعائلته خلال الشتاء وفترة حدوث المنخفضات الجوية، حيث كان يستعمل النايلون وبعض البطاطين لكي يقى أولاده من البرد القارس .
لا تقارير إثبات
ومن جهته، لم يستبعد زياد أبو هين، أستاذ البيئة وعلوم الأرض المُساعد في الجامعة الإسلامية، أن يكون ركام البيوت التي تعرضت لقصف إسرائيلي مباشر خلال الحرب الأخيرة على غزة قد تم تلوثها بمواد مشعة وضارة، وذلك بسبب الكميات الكبيرة من المتفجرات والقنابل التي شهدها غزة.
وقال: "للأسف، بعد انتهاء الحرب على غزة لم تجرى أي تقارير أو تحليلات تثبت احتواء ركام المنازل المدمرة على مواد مشعة ومسرطنة".
ودعا أبو هين كافة الجهات المختصة والمؤسسات الدولية والحكومة إلى إجراء دراسات وفحص عينات من ركام المنازل المدمرة في مختبرات ثقة للتعرف على طبيعتها.
وأوضح أنه في حال تبين خطورتها على صحة الانسان لابد من التوقف الفوري عن استخدامها لتلاشي كارثة بيئية من الممكن أن تحصل إذا صحت التنبؤات باحتوائها على مواد مشعة.
وبخصوص اتجاه المواطنين بغزة لاستخدام ركام البيوت المدمرة كبديل عن الحصمة والمواد اللازمة للبناء، حذر أبو هين من إعادة تصنيع ركام المنازل دون التأكد من خلوها من المواد الإشعاعية والملوثة والتي من شأنها أن تترك آثاراً خطيرة على الأجيال القادمة.
وشدد على ضرورة إجراء دراسات دقيقة تبين إذا ما كان ركام البيوت المدمرة يحتوي على مواد مشعة أم لا.
تشكيل لجنة للبحث
بدوره، أكد المهندس أنور عطا الله من سلطة جودة البيئة، أنه لا يمكن البت بالمطلق في إمكانية وجود مواد مشعة ومسرطنة تحتويها ركام المنازل المدمرة .
وأفاد عطا الله بأنه تم تشكيل لجنة وطنية مكونة من سلطة البيئة ووزارة الصحة وسلطة الطاقة والمياه لإجراء عدة فحوصات للتأكد من ذلك ، لكن الأجهزة والمعدات لم تعطي أي مؤشر على احتواء الركام على مواد ملوثة.
وقال عطا الله في حديثه لـ"الرأي": "إن اللجنة الفنية في سلطة البيئة تقوم حاليا بفحص عينات من الركام من خلال لجنة مشتركة بعد دخول أجهزة حديثة لقطاع غزة ، وبعدها سيتم إصدار تقرير من قبل اللجنة حول إذا ما كانت هذه المواد ملوثة أم لا".
احتمال ضئيل
واستطرد قوله: "إن نسبة وجود ملوثات ضارة في ركام المنازل ضئيل جدا، وسنقوم بإصدار تقارير أولا بأول حول المناطق التي يتم فحصها ، وفي حال وجدنا ملوثات في مناطق معينة سنقوم بعزلها".
وأشار عطا الله إلى أن سلطة البيئة قامت بزيارة عدد من المناطق التي تعرضت للقصف الشديد خلال فترة الحرب وأخذ عينات منها ومن هذه المناطق "حفرة ضخمة بالشجاعية، وزارة الداخلية "أخذ عينة من الأسلحة والصواريخ التي لم تنفجر، مناطق في بيت حانون وجحر الديك وبعض المدارس بغزة ".
ونوه أنه بعض فحص تلك العينات لم تعطي المؤشرات بوجود ما يثبت أنها تشكل خطرا كبيرا، مؤكداً أن وجود بعض الحالات المرضية والغير المعهودة بعد الحرب ليس دليلا كافيا على تعرضها للإشعاع خلال الحرب .
وأشار إلى أن سلطة جودة البيئة بالرغم من كونها تجد صعوبة في مواصلة عملها نتيجة عدم توفر الإمكانيات والمختبرات، إلا أنها تقوم عقب كل عدوان على غزة بزيارة المناطق المتضررة وعمل تقارير حول الآثار التي تركتها الحرب على الإنسان والبيئة، وذلك بالتعاون مع وزارة الصحة وسلطة الطاقة والمياه ، منوها أن إمكاناتهم البشرية والتقنية لا تسمح لهم بذلك.
وحول إمكانية استقبال خبراء من الخارج، قال: "حاولنا تصدير عينات إلى الخارج ولكن لم تصلنا نتائج بعد ، فهناك معيقات كثيرة تواجهنا تتمثل في إغلاق المعابر والحصار".
ودمر الاحتلال خلال حربه الأخيرة على غزة في السابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول لعام 2008، والتي استمرت 22 يوماً، أكثر من 5000 منزلاً بشكل كلي و20 ألف منزلٍ بشكل جزئي، الأمر الذي جعل الغزيين في كافة مناطق القطاع يلجئون إلى إعادة استخدام ركامها في تصنيع الطوب والحجارة اللازمة للبناء، دون أدنى مبالاة بما قد يحتويه هذا الركام من مواد خطيرة ومشعة نتيجة استخدام الاحتلال لأسلحة محرمة دولياً تؤثر على البيئية وصحة الإنسان بشكل كارثي.

