صباح العيد في غزة مميز وبنكهة أخرى رغم الحصار، والمعوقات الاقتصادية، والاحتلال "الإسرائيلي" الذي دام لما يقارب السبعين عاماً.
ما أن يشق الصباح أفق السماء ببياضه حتى تسمع صوت مكبرات المآذن تردد "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا"، وليس منبع الصوت المؤذن وحده بل تتشارك في خلفيته أصوات أطفال ممتلئة بالبهجة والفرح وحب الحياة بل والإصرار عليها.
التواصل الاجتماعي
جميع الطرقات مكتظة بأطياف من الرجال والنساء والأطفال في مسيرة نظمها العيد بذاته باتجاه المساجد أو أماكن الصلاة المخصصة لصلاة العيد، وجميعهم يردد عبارات التكبير.
صلاة العيد جامعة، لا تجمع المسلمين للصلاة فحسب بل وكأنها تلفهم جميعا برداء من التواصل الاجتماعي الراقي فتجد المصلين التفوا تلقائيا على شكل حلقة ممتدة يصافح فيها آخرهم أولهم بصفاء نفس وحب ورضا إلهي كأن الملائكة أنزلته عليهم من سماوات العرش.
الجميع يهرع بعدها لمنزله ليعيد أسرته بخصوصية الغزي الناعمة والحنونة رغم قسوة الظروف جميعها حوله، هو حتما لم ولن ينسى إنسانيته وكفاح وصبر زوجته وأطفاله معه لذلك تجده يجتهد أن يوفر لهم شيئا من حلوى وشيئا من "الفكة" كعيدية يبهج قلوبهم بها، مع قبلات أبوية حارة على جبين كل منهم وأمل خالص منه أن ينفرج الحال العيد القادم.
"فسيخ"
في هذه الأثناء تكون أم العيال وشريكة العمر قد أعدت طبق الإفطار الرئيس والشعبي المتعارف عليه في العيد، إنه "الفسيخ" المقلي أو "الرنجة" وكلاهما لمن لا يعرفهما عبارة عن سمك مقدد ومحفوظ في ملح لمدة لا تقل عن شهر، منهم ما يصنعه بنفسه في البيت أو يبتاعه جاهزا من السوق؛ ولا تختلف "الرنجة" عن "الفسيخ" إلا بكونها مدخنة بطريقة معينة ويعدها اختصاصيون في غزة أو كمستوردة من مصر.
بعض الاختلاف يطال مناطق شمالي غزة عن جنوبها كطبق "السماقية" المكون من اللحم، وخضار "السلق"، والسماق؛ وعادة تشتهر به العائلات الغزية الأصل رغم التداخل الحاصل بالمصاهرة والذي دمج العادات وبعضها البعض وصارت كيانا واحدا لا فرق فيه بين مواطن ولاجئ وبدوي.
سرعان ما ينتهي طقس الفسيخ والسماقية لتجهز الجميع بلباسهم الجديد أو الأجمل والذي عادة يحفظ في دولاب الملابس جانبا لحين حلول مناسبة جديدة ويتحضر الذكور من العائلة الواحدة لزيارة أرحامهم للمباركة بالعيد محملين بالشوكولاتة اللذيذة وما تيسر من مبلغ رمزي يعطى للأرحام الإناث.
نكهة مختلفة
"للعيد في غزة بهجة لم أرها في أي بلد آخر"، هكذا قالت ميس عبد الرحمن والتي علمنا منها أنها عاشت وأسرتها عمرا في دول الخليج بسبب عمل والدها، مكملة: "لا شك أن الحياة في دول الخليج عموما أكثر رقيا وأفضل من حيث المستوى المادي والمعيشي لكننا في النهاية نعيش هناك كأغراب".
وأردفت: "نزور بعض المعارف بشيء من الفتور أو تأدية الواجب وانتهى أما في قطاع غزة فالأمر مختلف فالترابط الاجتماعي رائع ويشعرك أنك فرد مميز في عائلتك بسبب وجود لفيف من أسرتك الممتدة والمترابطة وهو أمر نفتقده بشدة في الخارج".
منى محمد، أيضا تشارك ميس ذات الرأي، حيث قالت: "لقد كنا نقيم في الجزائر ومصر والعراق بسبب ظروف عمل زوجي وانتقلنا أخيرا لغزة".
وأضافت: "نكهة العيد في غزة مختلفة ويكفي أن أخوتي ووالدي وأعمامي وأخوالي يثلجون صدري وصدر أبنائي بزيارتهم لي صباح العيد محملين بالعيدية النقدية للأولاد والحلوى لي، إنه أمر يرجعني لذكريات الطفولة الرائعة".
كعك العيد
لا تنتهي جولة الزيارات سريعا فهي في الغالب نسبية بحسب كبر العائلة لكنها في المتوسط لا تنتهي قبل صلاة المغرب، فما بين الاطمئنان على كل بيت وتناول فنجان القهوة العربية وكعك العيد وتسامر سريع تمتد الزيارات حتى المساء.
وزيارات النساء لبعضهن عادة تبدأ في اليوم الثاني والثالث، حيث أن اليوم الأول يحتم على ربات البيوت أن يقرن في بيوتهن لاستقبال الضيوف والتفاخر بما يقدمنه من كعك ومكسرات وحلوى جاهزة بقدر ميسورية كل أسرة، لكنها أساسيات لا غنى عنها حتى لمن هم من أصحاب البيوت المدمرة في غزة.
الحاجة أم عيسى جبر قالت لـ"الرأي": "لا عيد بلا كعك، وعادة ما نتشارك فيه جميعا أنا وبناتي وزوجات أبنائي وبناتنا الصغار، للكعك في ذاته فرح كامن لن أحرم أبنائي منه مهما حصل ولو كان ما نصنعه ملء طبق واحد، لكنه تراث لن يندثر".
بينما اختلفت سالي عوض مع الحاجة أم عيسى اختلافا بسيطا من حيث أنها تشتري الكعك من مخبز مختص كونها لا تجيد صنعه بمهارة كنساء الزمن الجميل من أسلافها، ولعل الحياة العملية التي أخذت المرأة لسوق العمل بل أجبرتها عليه لرداءة الأوضاع الاقتصادية دفعت الموظفات عموما لابتياع الكعك جاهزا اختصارا للوقت والجهد.
فسحة
"العيد للأطفال" جملة تسمعها كثيرا في غزة، ولعلهم الأوفر حظا من الكبار في نيل أكبر قسط من التسلية واللعب على الأراجيح، وجني مال "العيدية" الوفير، واللعب بالبالونات الملونة، وطائرات الورق.
ولا ننسى مفرقعات العيد رغم أن النظام ينص على أن تداول وبيع واطلاق المفرقعات هو أمر مخالف للقانون وتحت طائلة المسؤولية نظرا لخطورتها وما قد تسببه من حوادث أليمه، لكن رغم ذلك فالأطفال يفرحون لصوت الفرقعة "المزعج" هذا.
لا ينتهي العيد هكذا، فالجميع يعتبر أيام العيد فرصة ثمينة للتنزه خارج إطار المنزل والشارع والحارة والمدينة حتى لكسر روتين الحياة ووتيرتها المملة، فالبحر عادة هو المنفذ الأكثر ملائمة للكثير من الأسر ميسورة الحال.
فالجلوس هناك لا يكلف كثيرا وأحيانا لا يكلف مطلقا، يكفيك فيه أن تكون مجتمعا مع أحبتك بمصاحبة إبريق حافظ للحرارة من الشاي أو القهوة واستمتع بعدها بروعة مشهد الأمواج، ورائحة البحر، ونسيمه العليل، وصوت تلاطمه الصاخب.
تنتهي عطلة أيام العيد الثلاثة سريعا، غير أن ذكرياته تبقى كدافع للعطاء مجددا، وتبقى أيضا موروثاته وشعائره كعادات صارمة بكل الحب على قلوب الغزيين.

