يعاني قرابة ستة آلاف نسمة موزعين على 17 تجمعاً وقرية صغيرة في مضارب المالح، من سكان الأغوار الشمالية الفلسطينية ضغوطاً عسكرية "إسرائيلية" متواصلة، لتهجيرهم من مساكنهم للسيطرة على أراضيهم.
الأغوار الشمالية التي تتبع مدينة طوباس في شمال الضفة الغربية المحتلة، وتشغل نحو 75 في المائة من إجمالي مساحتها البالغة 225 ألف دونماً، وغالبيتها خاضعة للسيطرة العسكرية "الإسرائيلية"، وتستخدم تلك المناطق لإجراء التدريبات العسكرية بشتى أنواع العتاد والسلاح بين المساكن والخيام والمراعي، الأمر الذي يعرض سكانها لخطر الموت المحقق.
المزارع الفلسطيني ياسر أبو الكباش من قرية حمصة الفوقا في الأغوار، سلاحه الوحيد الذي يدافع به عن أرضه، حال وجود أي تدريب للاحتلال كما فعل في مرات سابقة: بنطاله.
يستخدم أبو الكباش بنطاله لإطفاء الحرائق التي تندلع بفعل المناورات "الإسرائيلية"، في مراعي قريته، فيقول "ملابسي هي سلاحي الوحيد، ولا مجال للتردد أو التراجع".
وسبق أن ظهر أبو الكباش في جولات تدريب سابقة، أحرق فيها جيش الاحتلال 60 دونماً لعائلته مزروعة بالقمح، وقد خلع بنطاله لوقف امتداد النيران على مساحات أخرى، فيما حاول إخوته وقفها بأغصان الشجر. وأضاف أبو الكباش "كان أصعب موقف في حياتي، حين لا أجد سوى ملابسي للتضحية بها كي لا تأكل النار زرعنا".
وتابع "في البداية حاولت إخمادها بغصن شجرة أخضر، لكنه احترق، فخلعت البنطال ووقفت عارياً متأهباً في وجه اللهب، لا وقت للتردّد، ولا حلّ سوى المواجهة بأي شيء، المهم أنني سأواجه".
واستطرد قائلاً "على الرغم من الخطر، إلا أن هناك دوافع كثيرة تُفقدني صبري، وتدفعني إلى أن أهجم على النار بملابسي كل مرة، لديّ سبعة أطفال، يعيشون على ما تنتجه أغنامي من حليب ولبن، وإن تركت النار تأكل أعشاب الأغنام، سيموت أولادي من الجوع، لهذا أُجاهد، وأتحمل لسعات النار التي شَوَت قدميّ وشعر ذقني".
أما الطفل قتيبة إياد صوافطة (9 أعوام)، من مدينة طوباس شمالي الضفة الغربية، أصيب في الرابع من يونيو للعام الجاري، بانفجار جسم مشبوه من مخلفات جيش الاحتلال، التي يتركها في أماكن تدريبه الدائم في الأغوار الشمالية الفلسطينية.
الأمر الذي أدى إلى إصابته بحروق في 40 بالمائة من جسده، وتحديدًا في وجهه وجانبه الأيسر، نتيجة انفجار قنبلة فسفورية من مخلفات الجيش "الإسرائيلي" التي يتعمد تركها خلفه لإيقاع المزيد من الضحايا بين معاق وقتيل.
بدوره، لفت مسئول ملف الأغوار في محافظة طوباس معتز بشارات، في صفحته عبر مواقع التواصل الاجتماعي " الفيس بوك "، إلى ما تتعرض له منطقة الأغوار من سياسة هدم البيوت والمزارع بهدف ترحيل أبنائها والحدث الذي كان في الخامس من هذا الشهر، حيث أقدمت قوات الاحتلال بهدم مساكن وحظائر أغنام لست عائلات في قرية العقبة، وكذلك مساكن لعائلتين في قرية الميتة، ومنشأة زراعية على أطراف قرية يرزا".
ومن بين مساكن المزارعين الفلسطينيين التي هدمتها الجرافات "الإسرائيلية" كان هناك بيت واحد من الباطون في قرية العقبة، والبقية عبارة عن خيام وحظائر من الصفيح.
وأكد بشارات أن "البيت الإسمنتي تم هدمه من دون سابق إنذار، فهم عادة يسلمون إخطارات هدم، لكن هذا البيت لم يخطروه من قبل"، وسياسة هدم المنازل من دون إخطار مؤشر خطير على سياسة جديدة لقوات الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع فلسطينيي غور الأردن.
ويهدف الاحتلال بتلك السياسة إلى تفويت الفرصة على صاحب البيت في اللجوء إلى المحاكم لوقف قرار الهدم.
ويستعرض بشارات عبر صفحته، ما يتعرض له سكان تلك الأغوار من سياسة ممنهجة للضغط عليهم بالترحيل حيث التدريبات العسكرية التي تلحق بهم وبمزارعهم الأضرار، وما قامت به قوات الاحتلال الغاشم من إقدامها على تدمير المحمية الطبيعية في لحف جادر إلى الشرق من طوباس، حيث تبلغ مساحتها ما يزيد عن 1000 دونم، وقد تم زراعتها بما يزيد عن 70 ألف شجرة قبل نحو 5 سنوات.
وأكد بشارات أنّ مخلّفات الاحتلال في آخر 60 يوماً من العام الماضي، سرقت أرواح ثلاثة فلسطينيين، فيما انفجرت في سبعة آخرين منذ بداية العام الحالي، أصابت ثلاثة منهم بجروح بالغة ما زالوا يتلقون العلاج في المستشفيات حتى اليوم، مشيراً إلى أن هنالك إحصائية غير دقيقة باستشهاد 22 فلسطينياً وإصابة 75 في غضون 30 عاماً.
ويوضح بشارات أن مخلّفات الاحتلال المختلفة، ما هي إلا وسيلة من وسائل الضغط المختلفة التي يمارسها الاحتلال من أجل ترحيل السكان الفلسطينيين الأصليين الذين يملكون أوراقاً تثبت ملكيتهم لأراضيهم، ومن تلك الممارسات التدريبات العسكرية، وعمليات الإخطار والهدم، إضافة إلى الترحيل وعمليات التجريف.
أما المجتمع الدولي الذي اعترف بأن ما يقوم به الاحتلال من تدريبات عسكرية، وما يتركه خلفه من قنابل متفجرة، يشكل مخالفة لكافة الأعراف والقوانين الدولية، فيكتفي بالتوثيق وتقديم الوعود من دون أن يحرك ساكناً على أرض الواقع، بحسب بشارات.
وفي الأغوار الشمالية، تعيش تجمعات بدوية تعتمد في حياتها على تربية المواشي والزراعة، وتقيم في مساكن بدائية من صفيح الحديد والخيام، ويمنعهم الاحتلال من التوسع العمراني، ويحرمهم من كافة الخدمات والبنية التحتية، فيما يهددهم الموت بفعل تلك المخلّفات، إذ يوجد في كل كيلومتر ما لا يقل عن30 إلى 40 من مخلّفات الاحتلال معرضة للانفجار.

