قبل قُرابة العامين، نشرت وسائل الإعلام خبراً حزيناً، بمقتل صغير في حادث سير كبير، حيث وفاة الإبن الوحيد لذاك الأسير القابع خلف قضبان الاحتلال.
لتمر السنين، ويأتي الخبر الجميل واليقين، بأنّ ذاك الأسير رزق بتوأم، واستعاد أمله عنوةً رغماً عن سجانيه، بتحرير نطفة خارج السجن، لتنبت الزرع المنتظر من سنين، ليعلن للعالم بأنّ الشعب الفلسطيني عصىٌ على الانكسار، وسيخرج من محنته أقوى بكثير.
"الرأي" التقت والدة الأسير أحمد السكني فقالت "الحمد لله الذي أكرمنا، وأكرم والدهم، وعوضه الله خيراً بعد أن فقد الأمل بوفاة ابنه الوحيد طارق قبل نحو العامين"، مضيفةً "لقد كان لفراق طارق أثراً كبيراً، حيث الحزن الذي خيم علينا وعلى والده في داخل السجن".
وتُؤكد والدة الأسير أن استقبال التوأم كان ممزوجاً بدموع الفراق لطارق ووالده الذي يقبع في سجون الاحتلال، ودموع فرحة الأمل الجديد، واصفةً حال ابنها الأسير لحظة استقبال خبر ولادة زوجته بأنّه كان "مبسوط كثير كثير، لدرجة لا توصف بعد فقدانه ابنه الوحيد".
أما زوجته شرين فقالت "وجود هذين الطفلين معاناة في ظل عدم وجود والدهم معهم، وفرحة بأنّ الله عوضني عن فقدي لطارق".
ووصفت فترة الحمل بالصعبة، قائلاً: " لقد كنت غير مقتنعة بأن أعيد معاناتي مرة أخرى بعد ابنى الوحيد، في ظل غياب والده داخل المعتقل، لقد كان عمر طارق عندما سجن والده سنة وثمانية شهور، ولم يزور والده غير ثلاث مرات آخرها عندما كان في سن الخامسة، ليمضى حياته ويرى والده عبر الصور".
وتابعت "لم يكن الأمر بهذه السهولة خاصة وأنّى لم أحمل منذ 14 عاماً، ولكن تم اقناعي من قبل زوجي، بعد أن أقنعه زملاءه داخل الأسر بأن يحاول، والحمد لله قد تكللت بالنجاح".
بدايات تهريب النطف
بدوره، تحدث رئيس مجلس إدارة جمعية واعد للأسرى توفيق نعيم عن البدايات الأولى لفكرة تهريب النطف فقال "بداية الفكرة كانت مستهجنه ومستغربة، ووصفها الكثيرين من الأسرى بضرب من الخيال".
وأضاف "الموضوع طرح داخل السجون في العام 1992، ولم يكن قد طرح كما هو الآن بتهريب نطف بل كان بالتقاء الزوج بزوجته، حيث كان أول من طرح تلك الفكرة هو الأسير المحرر جبر وشاح، والذي سأل وأستفسر عن حكم الشرع بالتقاء الأسير داخل السجن بزوجته ، يومها أجبت بأنه لو تم تأمين المكان والحفاظ على حشمته يجوز، فانتشر ذلك في السجن، الأمر الذي خلق موجه من السخط".
وتابع "فتم اخراج هذا السؤال للجنة الإفتاء في فلسطين للشيخ عبد الكريم الكحلوت، فقال إذا أمن المكان، فيجوز، ليطول السخط والغضب أيضا فضيلة الشيخ".
وأردف قائلاً: "بعد العام 2000 رفعت قضية للمحكمة العليا باسم أيمن سدر، وقد كان قبله وليد بقا، حيث كان خاطب من محامية فطلب الالتقاء بها فرفضت المحكمة ، فما كان منى إلا أن أخذت رد الكنيست بالسماح لقاتل رابين بالإنجاب، رغماً عن رفض المحكمة لذلك".
وأكد أبو نعيم أن القضية بقيت عالقة وبقى ملف "بقا وسدر" في المحاكم وأنا خرجت، لافتاً إلى أنّ العام 2000 بدأت عملية الزراعة تأخذ قبولاً في غزة، من حيث الفكرة، والإمكانيات.
وكشف أبو نعيم أنّ أول من حاول تهريب النطف من داخل السجون هو الأسير روحي مشتهي، ومجدى عجور، الأمر الذي أثار غضب الأسرى، ما دفعهم للجوء إلى دار الإفتاء، فانقسم المشايخ إلى قسمين منهم من يريد تطبيق الشرع بكل حذافيره بأنه يجب أن يتمتع الرجل بزوجته متعه كاملة، ومنهم من أجاز ذلك خاصة وأن المرأة يتقدم بها العمر".
وأضاف "لكن قدر الله بأن لا تنجح، ولكن أول من نجح بتهريب نطفة هو الشاب عمار الزبن من الضفة في العام 2007-2008 وقتها هنأه الكثير من الأخوة كمجاملة، لتصبح الفكرة بعدها متقبلة حتى أنّ الكثير من الأسرى داخل السجون يتزوجون بثيبات وينجبون منهن".
وأشار رئيس مجلس إدارة جمعية واعد للأسرى إلى أنّ هذا الموضوع قد نتج عنه دراسة ماجستير قدمها الأسير إياد أبو فنونه، وأشرف عليها د.عزيز دويك في سجن هداريم، ليخرج من السجن عبر صفقة وفاء الأحرار، إلى بيت لحم من ثم يعتقل ويبعد إلى غزة، وتناقش رسالته في الجامعة الإسلامية بغزة.
وأكد أبو نعيم أن الطفل الذي يولد من خلال تهريب النطف يحرم من زيارة والده داخل الأسر، متطرقاً إلى العديد من المعوقات التي تواجه تلك العملية بداية من عملية التهريب، وكيفية حفظها من التلف، وصولاً إلى زوجته وعملية الزراعة.
وقال "نتابع العملية منذ أن يتم تهريب النطفة، وتقوم جمعيات متبرعة بتكفل زوجة الأسير، ورعايتها حتى يكتب لها النجاح"، مضيفاً "لقد بلغ عدد الحالات التي تكللت بالنجاح قرابة 40 حالة في الضفة و11 حالة في غزة".
الجدير ذكره أنّ الأسير أحمد السكني معتقل منذ العام 2002، ومحكوم بالسجن لمدة 27 عاماً، وكان قد فقد قبل عامين طفله طارق في حادث سير بعد عودته من رحلة ترفيهية ضمت عددًا من أبناء الأسرى.
وبالرغم من جبروت السجن والسجان، يبقى الفلسطيني شامخا حرا صامدا كالبنيان، معلناً حريته رغماً عن الاحتلال بلا ذلٍ أو هوان.

