حديث البعوض يتعلق بعدد من المشاكل أهمها مشكلتين رئيسيتين يعاني منهما قطاع غزة منذ سنوات عدة وهما وادي غزة والتجمعات حوله وأحواض الصرف الصحي شمالي غزة، وما تسببه من معاناة دائمة ومتجددة للمواطنين على حوافها وفي باقي أرجاء القطاع.
أحواض الصرف مشكلة متجذرة منذ العام 1997 حين أنشأت، وحين فاضت عام 2007 ولم يبت أحد بالحل، وحين تهجّر وتستقبل ملايين اليرقات والحشرات والبعوض فإنها تكون منبع لأمراض عدة عدا عن المكرهة الصحية والبيئية التي يعاني منها سكان القرية البدوية البالغ عددهم ستة آلاف نسمة ومن حولهم من سكان عزبة بيت حانون ومجمع إسكان حيي الندى والعودة.
نذوب حراً وتلسيعاً
أن يخضع مواطن لثلاث عمليات جراحية سببها لسعة بعوض فهذا هم كبير يضاف لهموم غزة، هذا ما حدث مع المواطن هشام البراوي من بلدة بيت لاهيا الذي لسعته بعوض في ساقه وعلى إثرها خضع لثلاث عمليات جراحية بسبب دماء فاسدة والتهابات مكان اللسع.
مها المصري وهي رئيس مجلس إدارة جمعية تطوير المرأة الريفية في بيت لاهيا تقول: "إنّ البعوض يسبب لها ولعائلتها أزمة نفسية وجسدية كبيرة، إضافة إلى خشيتها من نقله عدوى أمراض من شمال غزة إلى وسطها وبالعكس".
وحسب المصري فإنّ البلدية تكذب بشأن قولها أنّها تُسيطر على البعوض وأنها تقوم بالرش اليومي، مؤكدة أن هناك محاباة في عمليات الرش.
وتضيف المصري للرأي أنّها لا تستطيع النوم ليلاً بسبب البعوض ولا العمل نهارا وارتفاع درجات الحرارة التي لا يستطيع معها المواطنون فتح نوافذهم خشية هجوم الحشرات والبعوض إليهم، مؤكدة أنّ السكان يشتكون من بعوض أسود بات الأكثر انتشارا والأكثر فتكاً بالمواطنين لا سيما الأطفال منهم.
وليس ببعيد من هذه الشكوى ولا المسافة تؤكد انتصار الرواع من القرية البدوية القريبة من أحواض الصرف الصحي هذه المعاناة بقولها: "البعوض تسافر يوميا من وادي غزة للقرية البدوية تنهش أجسادنا ولا نستطيع الفكاك منها حتى تكون قد امتصت من دمائي ودماء أطفالي ونقلت لي دماء آخرين".
تتضاعف المعاناة بعيداً عن أسبابها المكانية وخاصة بالمناطق المدمرة شرقي قطاع غزة في منطقة الشجاعية شرقي مدينة غزة وفي بركة الشيخ رضوان غربي المدينة يشكو المواطنون من روائح سيئة عدا عن البعوض الشرس كما تصف مواطنة دمر بيتها وتقطن حالياً بالقرب منه.
جودة البيئة: التقصير من البلديات
م. كنعان عبيد رئيس سلطة جودة البيئة أكد أن سلطته لم تقصر بشأن التخلص من البعوض وأنها تتخذ كافة السبل بشأن تخفيف معاناة المواطنين، مشيراً إلى أن سلطة البيئة تقوم بتوزيع حصص البلديات من مادةDIT المكافحة للبعوض وكل بلدية تقوم بدورها بالرش في الوقت الذي تراه مناسباً، مشدداً على أنّ دور سلطته يتحول بعد ذلك ليكون دوراً إشرافياً ومراقباً على عمل البلديات.
وفيما إذا كانت المشكلة متعلقة بمصدري المستنقعات المائية في قطاع غزة وهما وادي غزة وسط القطاع وأحواض الصرف الصحي شماله، قال عبيد "إنّ الشكاوى التي تتلقاها سلطة جودة البيئة معظمها يدور حول شمال قطاع غزة ونادراً ما يتلقون شكوى من وسط القطاع أو ما يتعلق بالوادي".
وحسب عبيد فإنّ هذه المادة فعالة ومن شأنها القضاء على البعوض بشكل كلي ووقف معاناة المواطنين خاصة الذين دمرت منازلهم والذين يزداد شكواهم من انتشار البعوض في أماكن بيوتهم، مشيراً إلى أنّ السلطة تنقل الشكاوي من المواطن للبلديات وتطالبها بردم الحفر التي يتجمع فيها البعوض.
وفيما إذا كان أداء البلديات جيد نظراً لشكاوى المواطنين، قال عبيد: ربما يكون هناك تجاوز وتقصير من بعض البلديات نحن نخاطبها بشأن الشكاوى وهي بدورها تقوم بحل المشكلة.
دور البلديات
البلديات بدورها تدافع عن نفسها داعية لتعاون المواطنين، ومؤكدة أنها ولا غيرها من بلديات الكون تستطيع أن تسيطر على البعوض، إلا أنّها تبذل قصارى جهدها كما يؤكد م. عاطف السلطان مسئول الصحة والبيئة في بلدية بيت لاهيا.
السلطان قال: إنّ البلدية تعمل على مدار الساعة معتمدة الطريقة البيولوجية والكيميائية لمكافحة البعوض، أما الطريقة البيولوجية فيقوم العمال برش مادة PCI التي تقدمها مؤسسة الأيدي المسلمة للبلدية على أحواض الصرف الصحي والبرك الزراعية المنتشرة بالبلدة، ولكن بعض المواطنين لا يقبلون أن تقوم البلدية برش بركهم الزراعية ولا يبدون تعاوناً يذكر مع البلدية وبالتالي يمكن أن تكون هذه البرك هي مصدر توالد البعوض، حيث تضع البعوض ما يقارب 200-300 بويضة وخلال أيام تتحول هذه البويضات إلى حشرات وتهدد حياة المواطنين.
أما الطريقة الأخرى فهي الطريقة الكيميائية وتقوم فرق من العمال بخلط قرابة 60 لتر من السولار بمادة البيرومترول ورش الخليط على المستنقعات والأشجار يومياً قبل غروب الشمس وتكلف يومياً ما يعادل 1300-2000 شيكل وهذا يفوق مقدرة البلدية، بالإضافة لعدم تعاون المواطنين وظنهم المسبق أن الطريقتين ضارتين بمحصولهم الزراعي وببركهم المائية فلا يتعاونون مع البلدية ولا يبلغون عن بركهم وبالتالي يصبح موضوع مكافحة البعوض أكبر من مقدرة البلديات كما يقول السلطان.
م. مريم المصري من بلدية بيت لاهيا أكدت أن الفرق الفنية تقوم برش اليرقات قبل أن تصبح حشرات في أماكن تجمعها، مشيرة إلى أنّ الكثير من المواطنين خاصة المزارعين لاسيما في بلدة بيت لاهيا الزراعية لا يستجيبون لمطالب البلدية التي تطالبهم بتبليغها حول المسطحات المائية والبرك والطلب من البلدية بتزويدهم بالمادة الفعالة للتخلص من البعوض وهذا ما يفاقم المشكلة.
وحسب المصري فإنّ الفرق قامت برش المستنقعات والبرك والمسطحات المائية في أوج ذروة البرد التي كانت في شهر يناير وأن البلدية تنتظر لشهر مارس حين تكون اليرقات قد تكاثرت وتتطايرت، بل فضلت القضاء عليها في أطوارها الأولى وأن هذا الحل شكل مبدئياً وسيلة لتقليل أعدادها وتخفيف معاناة المواطنين إلا أنّ عدم تجاوب المزارعين بالإرشاد إلى برك ومستنقعات داخلية بمزارعهم وبالقرب من منازلهم إلى جانب إلقاء القمامة بالشوارع ساهم في عدم القدرة على احتواء هذه المشكلة.
ويبلغ عدد سكان بلدة بيت لاهيا قرابة 85 ألف نسمة يمثل سكان مشروع بيت لاهيا ثلثي عدد السكان ويبلغ عدد سكان مجمع الشيخ زايد السكني 7 آلاف نسمة، فيما يبلغ عدد سكان القرية البدوية التي تتأثر بأحواض الصرف الصحي قرابة ستة آلاف نسمة وكل هذه المناطق هي الأقرب لأحواض الصرف الصحي التي تفاقم مشكلة البعوض.
أحواض الصرف الصحي
وتعود فكرة إنشاء أحواض الصرف الصحي إلى العام 1997م، حين قامت قوات الاحتلال بإقامتها فوق أعذب مخزون للمياه الجوفية، وفي أخصب المناطق الزراعية في قطاع غزة، إلا أنّ فكرة إسكان المواطنين بالقرب من هذه الأحواض جاءت تالية لإنشاء الأحواض.
وهذه الأحواض كان من المفترض أن تستوعب ما معدله 10 آلاف كوب من مياه الصرف الصحي الواردة من محافظة شمال غزة، وهذا لا يقارب الواقع لا سيما أن ذاكرة فيضان الأحواض في آذار / مارس من العام 2007 لا تفارق مخيلة قطاع غزة بشكل عام ولا سكان القرية البدوية بشكل خاص الذين فقدوا خمسة من مواطنيهم والكثير من ممتلكاتهم وهو أمر لا يرغبون بتكراره أو حدوثه بل يصرون يومياً على ضرورة افتتاح المحطة الشرقية في أقرب وقت وهو الحل البديل الذي طرح دوماً.
وحسب مدير بلدية قرية أم النصر كامل أبو قايدة فقد قال: إنّ مسئولون أجانب من الحكومة الإيطالية أبدوا تعجبهم من هذه الفكرة، مشيراً إلى أن إسكان المواطنين بجانب برك المياه جاءت كبديل لبيوتهم التي أنشأ عليها مجمع أبراج الشيخ زايد السكني وتم تعويض كل مواطن بما يعادل 150 متر مربع من الأرض و3000 دولار نقداً.
وفي تصريح سابق للرأي لمصلحة مياه الساحل، الجهة المنفذة لمشروع ضخ المياه العادمة للمنطقة الحدودية، قال مديرها المهندس منذر شبلاق أن المصلحة كانت تحاول إنجاز المشروع قبل نهاية العام 2014م إلا أنّ عام 2015 شارف على نهايته ومشروع محطة الصرف الصحي البديل لأحواض الصرف الصحي والتي كان من المزمع افتتاحها شرقي بدة جباليا لم تر النور بعد.
هذه المعاناة اقتربت من النهاية كما يؤكد رئيس سلطة جودة البيئة الذي قال: إنّ المحطة الشرقية التي سيتم ضخ مياه الصرف الصحي لها شارفت على الانتهاء وتبقى 5% منها ويُبحث الآن في توليد الكهرباء ومدها للمحطة.

