أنت فلسطيني وتحمل جواز سفر فلسطيني وجنسية فلسطينية بالتحديد غزة مسقط رأسك, إذن أنت محكوم عليك بالإرهاب والمنع والحرمان من الحركة أينما وجهت بصرك في هذا العالم, مجرد أن تتعدى حدود رفح يحل عليك عذاب "الشقيقة مصر" دون رأفة بأشعة الشمس الحارقة للأجساد والوجوه وسط شهر آب اللهاب كما يقولون.
حتى وقت إعلان السلطات المصرية عن فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين تَفرض المعاناة كما لو يفرض الموت البطيئ على كل صاحب حاجة دوّن اسمه في لائحة المغادرين من أرض الوطن إلى الخارج, فلا حياة ولا انفراجة مضيئة تيسّر حال غزة خلال فتح المعبر لأيام ثلاث بعد إغلاقه لما يزيد عن ستين يوماً.
إلى متى؟!
العالقة الخمسينية أم محمد الطهراوي بصحبة ابنها العشريني المصاب بمرض السرطان غادرت الأراضي المصرية بعد تلقيه العلاج في أول أسبوعين من سفره, ليحكم عليهم إغلاق المعبر ليكونوا من العالقين لمدة ثلاثة أشهر ممتدة دون انفراجة غير تلك الأخيرة.
استعجلت الطهراوي خطاها نحو الأراضي الفلسطينية برفقة ولدها مهرولة نحو وطنها لتصل الجانب المصري في الساعات الأولى من صباح اليوم الأول لفتح المعبر لتجد آلاف المنتظرين من العالقين أمثالها ينتظرون ختم جوازات سفرهم والسماح لهم بالدخول إلى الجانب الفلسطيني.
تقول الطهراوي لـ"الرأي" بعد أن أنهك السفر جسدها رغم قرب المسافة التي تفصل مصر عن قطاع غزة المحاصر: "وصلنا الصالة المصري في الصباح الباكر أملاً في وصول بيتنا قبل الظهيرة للهروب من أشعة الشمس الحارقة, إلا أنّ الجانب المصري قد أدخل آلاف العالقين إلى الصالة المصرية واعداً بتسهيل أوراقهم, مما فاجأ الفلسطينين بعدم المبلاة بكافة العاقلين رغم حالاتهم الإنسانية الصعبة".
تتابع الطهراوي حديثها: "حلّت الظهيرة مما دفع كافة العاملين في الجانب المصري من مغادر الصالة وتركنا وحدنا داخل الصالة, كما ولم يكتفوا بتركنا داخل قاعة الانتظار بل أغلقوا أبواب الصالة دون التنبيه علينا بالحجز الممتد لساعات مقبلة".
حالات من الإغماء والإنهيار العصبي أصابت عشرات العالقين من كبار السن والمرضى الشباب بعد افتراشهم للأرض الملتهبة والمكتظة بآلاف العالقين دون توفير أدنى متطلبات الانتظار من ماء أو فراش للنوم أو حتى أماكن لبيع المواد الغذائية البسيطة, حسب وصف الحاجة الطهراوي.
وقالت الطهراوي: "من لم يكن مريضاً, السفر والانتظار والاحتجاز يصيب المعافى بالعياء والمرض والإرهاق والإنهاك, هم يعتقدون بأننا ليسوا من البشر بل من الحيوانات, مجرد أرقام دون رأفة إنسانية تثير الرحمة لديهم إن كانوا يمتلكون شيئا منها".
بقيت الصالة المصرية مغلقة على العالقين منذ أن بدأ وقت الظهيرة وحتى الساعة الثانية عشر منتصف الليل, وتقول الطهراوي :"حتى بعد أن فتحت السلطات المصرية أبواب صالتها لم تفرج عن الجميع داخل الصالة المغلقة نهايك عن النوم بداخلها, فكانت السلطات المصرية تُخرج من الصالة العالقين بشكلٍ فردي وليس جماعات".
ويزخر المعبر بقصص المآسي والمعاناة، حيث تتكدس الحالات الإنسانية ويخيّب الإغلاق آمال كثيرين لم يحلموا سوى بعبور البوابة الحديدية بحثاً عن الحياة المؤقتة التي يمنحوها لأنفسهم بالعلاج في الخارج.
تفاصيل المأساة والشعور بالظلم يطغى على مرتادي المعبر، ويمكن ملاحظتها بسهولة على وجوه المرضى والطلبة الجامعيين وغيرهم ممن يقفون شاخصين في انتظار أخذ دورهم للسفر.
عشرات الحالات الإنسانية التي وصل بها الحال للإغماء والإنهيار العصبي جراء إغلاق الصالة المحصورة بجدران تحتفظ بالحرارة وآلاف العالقين من المرضى وكبار السن والحالات الإنسانية الصعبة , هذه الحالة الصعبة لم تدعو الجهات المصرية المتواجدة للتفريج عن حال العالقين داخل الصالة.
المناشدات والمطالبات الفلسطينية تبقى ناعمة خوفا من التعامل معها بتشديد الخناق حول رقاب المحاصرين بغزة, وهكذا تحتم مصر على كل من يعبر أراضيها مغادرا إلى قطاع غزة أن يدخل سجن قاعة الإنتظار لمدة تزيد عن اثني عشر ساعة على أقل حد ممكن.

