أن تتوقف معاناة المواطنين في قطاع غزة هو أمر متعلق بالكامل بإنهاء حصار مليون وسبعمائة ألف نسمة يقطنون شريطاً ساحلياً تتحكم في أنفاسه خمسة معابر وحكومة توافق لا تبدي توافقاً ولا مرونة مع هموم قاطنيه.
هذه المعاناة تتفاقم يوماً بعد يوم وكل دقيقة تلبس رداءً مختلفاً عن السابق لتكتمل دائرة الحصار، و ليزيد الطين بلة بدأ الحديث عن عجز غير مسبوق بمشافي قطاع غزة وبمخازن الأدوية التي تشهد نقصاً شديداً أصاب 481 صنفاً من الأدوية وأغلق عددا من مراكز الرعاية الأولية في المراكز الصحية بالقطاع.
تحذير يلي آخر تطلقه وزارة الصحة على لسان وكيلها ومتحدثيها الرسميين ومدير عام الإدارة العامة للصيدلة فيها منير البرش الذي يؤكد في حواره اليوم مع الرأي على أنّ الأزمة فاقمها توجه الدعم الذي كان يصل لغزة إلى خزينة حكومة التوافق برام الله والتي بدورها تتقاعس عن تزويد غزة بحصتها من دعم القطاع الصحي وهو ما يهدد حياة المواطنين ويشل حركة القطاع الصحي الحكومي بالقطاع.
شهر من سنة
ويصل إلى خزينة وزارة الصحة بغزة ما يعادل ميزانية شهر واحد فقط لعام كامل، وهذا بدوره أهم اسباب العجز بالقطاع الصحي حيث يبلغ مقدار ما أرسلته وزارة الصحة برام الله إلى غزة هذا العام فقط 3.5 مليون دولار من 40 مليون دولار هي حصة غزة السنوية التي كان من المفترض أن تصل غزة، ولكن حكومة التوافق لم ترسل ما يجب كما يؤكد البرش الذي قال للرأي:" نحن نتواصل معهم ولكنهم لا يستجيبون لنا" مضيفاً: "هذا المبلغ يكفي لمدة شهر تقريباً من متطلبات وزارة الصحة بغزة".
فكيف أثر عدم التواصل بين غزة ورام الله على الوضع الصحي حتى التاريخ الحالي؟ يجيب البرش:" العجز كبير بالأدوية وبعدة أصناف هامة عدا عن اضطرار الوزارة لإغلاق عدد من أقسام الرعاية الأولية في النصيرات ورفح وبيت لاهيا وايقاف خدمات ولادة وجاري دراسة إغلاق مشافي وهذا أخطر ما قد نصل له".
فلماذا تصب الأموال في خزينة رام الله ولا تصل غزة؟ يقول البرش: "منذ أن تم تشكيل حكومة التوافق حتى بدأ العالم يتعامل معها كجسم موحد لغزة والضفة ولكنها لا تتعامل مع غزة ولا ترسل لها حصتها الشهرية أو السنوية".
وعما إذا كانت غزة ووزارة الصحة فيها تتواصل مع رام الله وتطالب بحصتها قال البرش: إنّ وزارته أرسلت للضفة سبع طلبيات ولكن الضفة استجابت لاثنين منها وأهملت الباقي، أو كما يقول متهكماً: "يبدو أن مصير طلبياتنا هو الأدراج" .
أزمة غير مسبوقة
البرش أكد للرأي أنّ الأزمة التي تمر بها وزارته غير مسبوقة وأنها تهدد الجهاز الصحي في قطاع غزة وأنه يمكن أن تصل الأمور لإغلاق بعض المشافي وخدمات الولادة في عدد آخر منها عدا عن إقفال خدمات أخرى وهو ما يهدد بدوره كفاءة وقدرة القطاع الصحي على خدمة المواطنين بغزة، إضافة لعدم وجود المصاريف التشغيلية للوزارة وتعطل العديد من الأجهزة الطبية.
وحسب البرش فإن الواقع العلاجي يزداد سوءاً في ظل واقع الأدوية والمهمات الطبية المتهالك، حيث بلغ عدد الأصناف الصفرية في نهاية شهر يوليو 323 صنف بالإضافة إلى ما يعادل 78 صنفاً يكفي رصيدها لأقل من 3 شهور لتصبح نسبة العجز في المهمات الطبية 36% من أصنافها.
في حين بلغ عدد الأصناف التي يكفي رصيدها لأقل من 3 شهور ما يعادل 72 صنفا دوائيا ، وقد زاد هذا النقص من سوء الأوضاع في كل من خدمة الصحة النفسية وكذلك في خدمة الهيموفيليا 38% بينما بلغت نسبة العجز في خدمة الثلاسيميا57%.
وعن الأسباب الحقيقية والمباشرة للأزمة قال البرش أنها تتعلق بالدرجة الأولى بالحصار المفروض على القطاع وثانياً بتلكؤ حكومة التوافق برام الله وعدم قيامها بإرسال أدوية لغزة أو موازنة لشراء الأدوية".
وكانت وزارة الصحة بالسابق تدعم إدارة الصيدلة بالأدوية عبر الأنفاق ومن خلال المنح والقوافل التي تحمل لغزة الأدوية والأجهزة الطبية وكافة المستلزمات لا سيما قافلة أميال من الابتسامات وبعد توقف هذه البدائل أصبحت غزة عاجزة عن تزويد نفسها بالدواء عدا عن قلة الخبرات الطبية وعدم القدرة على ابتعاث او استقبال اطباء للقطاع.
فما المطلوب؟ يؤكد البرش أن أول خطوة لتفكيك الأزمة هو رفد غزة بمستحقاتها المالية والعلاجية وتسديد حكومة التوافق ما عليها لصالح الوزارة وسد عجوزات التشغيل ودفع مستحقات المحروقات وتشغيل أطباء وهي الخطوات التي بدونها يتهدد عمل الوزارة بغزة إلى جانب تحرك الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني وقيام المؤسسات الدولية بمسئولياتها ووضع المبادرات إضافة إلى تنبيه المجتمع الدولي لمخاطر استمرار الحصار على القطاع.
وعما إذا كان هناك أي مبادرات أو حلول وضعت لتخطي هذه الأزمة قال البرش أن الموضوع يتعلق بسياسة الحصار وأن تفكيك أزمات غزة وخاصة أزمة القطاع الصحي يكمن بفك حصار القطاع وأن يقف المجتمع الدولي عند مسئولياته، مشيراً إلى عدم وجود أي مبادرات حتى اللحظة عدا عن تحرك بعض المؤسسات المحلية والدولية على الصعيد المحلي.
ما يمكن تأكيده هو وجود خلية أزمة تدير الأزمة الصحية في قطاع غزة، هذه الخلية تعمل على مدار الساعة وتقوم بوضع البدائل ووضعت أولى الخطوات وهي خطوة تقشفية شملت تقليص خدمات وتجميعها في مكان واحد.
البرش أعرب عن أمله ألا تتطور الأزمة وأن تتمكن الخلية من احتوائها وألا تصل الخطوات التقشفية إلى ما هو أبعد من ذلك وأن تقوم حكومة التوافق بمهامها المنوطة بها لصالح المواطن في القطاع المحاصر.

