حينما ترى أطلالها يقفز إلى ذهنك قصصٌ قاسية ذاق مرارتها أهالي قطاع غزة، بفعل الاحتلال الذي قطن على تلك الأراضي حقباً من الزمن، وبعد أن كانت تعج بقذارة المحتل الجاثم فوق الأرض، أصبحت "المحررات" مناطق للفرح والأمل والسياحة والإنتاج.
مشاريع متنوعة
عقدٌ من الزمن مر على انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من المستوطنات التي كانت تسرق الأرض الفلسطينية في قطاع غزة، وهي ما تعرف حالياً بمنطقة "المحررات"، والتي تبلغ مساحتها 40% من أراضي القطاع.
الحكومة الفلسطينية عكفت على إنشاء سلسلة مشاريع خدماتيه وإنتاجية فوق هذه الأراضي، بتعاونٍ خجول مع بعض الدول العربية ومؤسسات القطاع غزة، سعياً منها لاستثمار المساحة غير الهينة من تلك الأراضي.
وفي هذا الصدد، أكدت مديرة العلاقات العامة في سلطة الأراضي آمال شمالي لـ "الرأي" أنّ منطقة المحررات لم تعد منطقة مفتوحة وخالية، بل أصبحت تحوي العديد من المزروعات والأماكن السياحية والترفيهية والسكانية, مؤكدةً أنّ أراضي المحررات ماهي إلا جزء من الأراضي الحكومية.
أما بشأن المشاريع التي تم قيامها فوق تلك الأراضي، فقالت شمالي: "تم قيام نواة مدينة إعلامية وسياحية تحمل اسم أصداء, ومكان ترفيهي يسمى مدينة النور"، مشيرةً إلى استفادة التعليم من هذه المناطق بإنشاء فرع لجامعة الأقصى جنوب القطاع، وجامعة فلسطين، وفرع لجامعة الأزهر وسط قطاع غزة".
وأضافت "من الناحية العمرانية والسكانية فتم إنشاء العديد من المباني العمرانية وبدعمٍ من العديد من الدول مثل مدينة حمد الإسكانية".
وفيما يتعلق بباقي المناطق, بيّنت شمالي أنّها تستغل من قبل جهات متعددة تهدف إلى خدمة المجتمع المحلي, وذلك من خلال تأجير جزء منها لجمعيات خدماتية خيرية, تعمل على زراعتها بمحاصيل قصيرة المدى كالخضراوات.
وبخصوص الجزء الثاني من أراضي المحررات قالت: "إنّه يستغل من قبل الإدارة العامة للمحررات والتي تضم كلاً من الوزارات المالية, والعمل, والاقتصاد, والتخطيط, والزراعة, ناهيك عما تقدمه وزارتا الإسكان والنقل من آليات, إضافة للبلديات".
كما ونفت شمالي تلك الاتهامات الموجهة للحكومة باحتكار العمل في المحررات وعدم الإتاحة للقطاع الخاص, مؤكدةً على التعاون المشترك بين سلطة الأراضي والقطاع الخاص في وضع الخطط لاستغلالها بالشكل المطلوب.
التغلب على الحصار
من ناحيته, أكد رئيس لجنة الإدارة العامة للمحررات محمد الشاعر أنّ منطقة المحررات تشكل ثلث أرضي القطاع, وأن الإدارة العامة شرعت منذ تسلم مهامها بتجهيز الحد الأدنى من البيئة التحتية للمحررات التي تمتد على مساحات شاسعة من أراضي القطاع الصالحة للزراعة.
وبيّن الشاعر دور المحررات في تأمين الأمن الغذائي لأهالي القطاع، مشدداً على أنّها حققت اكتفاء ذاتي في بعض المنتجات, ناهيك عن تشغيل بعض الأيدي العاملة, مؤكداً أن إنتاج المحررات بات يكفي بل ويستعد لتصدير بعض المنتجات الزراعية التي حققت قفزة نوعية في إنتاجها رغم أن الاحتلال يمنع إدخال الأسمدة عبر المعابر.
وأوضح الشاعر أنه تم التغلب على التربة الرملية للقطاع من خلال جلب مواد وأتربة تساعد على تماسك التربة واستخدام تكنولوجيا الزراعة العضوية الرفيقة بالبيئة والتي تنتج منتجات ذات جودة عالية وزرع المحررات بشتى أصناف الحمضيات والفواكه والخضروات.
وأشار إلى مساهمة العديد من الدول العربية في إقامة مشاريع زراعية من خلال تبني وحدات زراعية في المحررات، مبيناً أنّ الحكومة في غزة لم تستسلم للحصار الذي فرض عليها والحروب الثلاث التي شلت جميع نواحي الحياة فيها, قائلاً:" استخدمنا جميع الإمكانيات المتاحة واستعنا بعمال مزارعين مهرة لنجاح العملية الزراعية في تلك المناطق".
وذكر أن الإدارة لديها خطة مستقبلية تقوم على تأجير المزيد من المساحات الزراعية للجمعيات والشركات ذات العلاقة, بهدف الحد من زراعة الخضار بواسطة الإدارة العامة للمحررات والتركيز على زراعات بعيدة المدى كأشجار الحمضيات واللوزيات.
وحول المشاريع المستقبلية في المحررات، أشار الشاعر إلى المشروع القائم بمنطقة صوفا بتعاون مع وزارة الزراعة بتكلفة تزيد عن مئة ألف شيكل زراعة ما يقارب سبعون دونماً من فسيل النخيل "البرحي" الذي يعتبر من أجود أنواع النخيل وتأهيل المساحات المتبقية من المحررات والتي تبلغ مساحتها ما يقارب 1500 دونماً لتصبح أماكن ترفيهية, ومنتزهات تخدم كافة الناس.
وأكد الشاعر على أنّ مجلس إدارة المحررات نفذ جزءاً لا يستهان به من المشاريع في هذه المناطق, منوهاً إلى أنّ مجلس إدارة المحررات يدرس إمكانية إقامة المزيد من المشروعات الممكنة في ظل الحصار.
وعلى الرغم من هذه المشاريع التي أعادت جزء من الحياة للمنطقة, إلا أنّ هناك جزءًا من الحياة في مناطق أخرى مازال مهجوراً في الكثير من زواياه, وبحاجة لتظافر الجهود من أجل استغلالها بالشكل الأمثل.

