ليس كل ما يحلم به المرء يدركه، ولو على حساب غيره من البشر، أو ممن يعيشون داخل العالم الذي ينتمي إليه، فشركة سند أو ما تعرف قديماً "بالشركة الفلسطينية للخدمات التجارية" أعلنت عن تأسيس شركة سند الشمال لصناعة الأسمنت، بحجم استثمار أولي يقدر بـ 310 مليون دولار، لمباشرة تنفيذ الخطوة العملية الأولى باتجاه إنشاء المصنع الفلسطيني المتكامل الأول لإنتاج الأسمنت، بالإعلان عن نية الشركة استملاك الأرض التي سيتم إنشاء المصنع عليها.
احتجاجات رافضة
أهالي قرى وادي الشعير (برقة وبزاريا وعنبتا وكفر رمان ورامين) شرق مدينة طولكرم، عبّروا عن غضبهم من خلال اعتصام احتجاجي ضد مساعي شركة سند التابعة لصندوق الاستثمار لاستملاك أراضيهم وتحويلها إلى محاجر ومقالع وإقامة مصنع إسمنت عليها.
ووفقا لما جاء في صفحة بوابة اقتصاد فلسطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" فقد شارك بالاعتصام مواطنون وأعضاء مجالس بلدية وقروية وممثلو الفصائل، الذين اجتمعوا ضد هذا المشروع الذي يهدد حوالي 1800 دونم من الأراضي الزراعية الخصبة بين محافظتي نابلس وطولكرم، مطالبين رئيس الحكومة رامي الحمد الله بالتصدي للقرار وعدم تمريره.
وكانت شركة "سند الشمال لصناعة الأسمنت" قد قامت بنشر إعلان في الصحف للتقدم بطلب إلى مجلس الوزراء للموافقة على استملاكها عشرات قطع الأراضي من المنطقة، بمئات الدونمات المشجرة وغير المشجرة خلال 15 يوماً من صدور الإعلان.
مدير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان عصام الريماوي، قال "إّن القانون ينص على أنه لا يجوز استملاك أراض لشركة خاصة، ويجب أن يكون الاستملاك لمصلحة عامة".
وأوضح د. الريماوي أنّه حتى الآن لم يصدر موقف رسمي من الحكومة، وسيكون الموقف مخالفاً في حال الموافقة، حتى وإن كانت شركة عامة، لوجود جوانب بيئية وصحية تمنع قيام المشروع.
وأكد أن ما يدعم موقف المحتجين قوة رابطتهم المكونة من 6 قرى ومجالس قروية وبلدية، إلى جانب عامل قوة آخر متمثل في جهات حكومية قد تكون طرفا محتجا على تمرير القرار، فهناك سلطة البيئة التي تقوم حاليا بعمل دراسة عن احتمالات تأثير المشروع على المياه الجوفية.
وهناك أيضا وزارة الزراعة التي ستكون طرفا محتجا لما يمثله هذا المشروع من خطر على الأراضي الزراعية في هذه المنطقة، فحتى لو صدرت الموافقة الحكومية فسيكون هناك انقسام في القرار، حسب الريماوي.
بدوره قال الرئيس التنفيذي للشركة الفلسطينية للخدمات التجارية (PCSC) لؤي قواس "لقد قامت سند بالتقدم إلى مجلس الوزراء بطلب استملاك هذه الأراضي للمصلحة العامة كون مشروع إنشاء المصنع يعد مشروعاً وطنياً سيادياً وإستراتيجياً".
وأضاف قواس "بناءً على ما سيصدر من قرارات من مجلس الوزراء بهذا الخصوص ستقوم سند بتخصيص مبالغ تعويضات لأصحاب تلك الأراضي وإيداعها لدى الجهات الرسمية وفقاً للقيمة السوقية التي تحددها الجهات الرسمية والمختصة".
وأوضح أنّ الجزء الأكبر من الأرض المنوي استملاكها؛ ستخصص للمحجر الذي سيتم استخراج الحجر الجيري منه، والذي يقع في منطقة تصنف على أنها منطقة زراعية متوسطة إلى منخفضة القيمة الزراعية، وذلك حسب المخطط المكاني لوزارة التخطيط.
وقال قواس "إنّ شركة سند قد قامت بإجراء دراسة للأثر البيئي الأولي والتي أثبتت أن التكنولوجيا المقترحة للإنتاج تتوافق مع معايير البنك الدولي من النواحي البيئية"، مؤكداً أنّ الشركة وضمن الدراسة الفنية ستتبنى أحدث المعايير الأوروبية في صناعة الإسمنت.
وأوضح الرئيس التنفيذي للشركة الفلسطينية للخدمات التجارية أنّ القدرة الإنتاجية لمصنع الإسمنت ستصل إلى 1.3 مليون طن سنوياً، مشيراً إلى أن الدراسات التي قامت بها سند بينت أن السوق الفلسطيني في الضفة الغربية لوحدها يحتاج إلى أكثر من 2 مليون طن من الإسمنت في العام 2021.
ولفت قواس أن نسبة المخزون الاستيراتيجي من الحجر الجيري الملائم لصناعة الإسمنت تقدر بـ120 مليون طن، وبما يكفي لأغراض إنتاج الإسمنت لأكثر من 80 عاماً.
وأكد قواس أنّ إنشاء المصنع ليس مستحيلاً ولكن يمكن العمل به كأجزاء في حال تعرقلت الخطوات وواجهت صعوبات بالقرار السياسي، منوهاً إلى أنّه سيتم تخصيص جزء من المصنع كمطحنة أو تغليف للأسمنت، مشدداً على أنّه لا يوجد شيء مستحيل، فوفقاً للدراسات التي أجريت من الممكن عمل مصنع أسمنت في فلسطين.
وأكد أنّ العنصر الرئيسي لصناعة الأسمنت هو توفر 3 مواد خام أساسية، وهذه المواد هي الحجر الجيري بمواصفات معينة؛ إضافة إلى وفرة المياه بكميات تصل إلى 1500 كوب ماء يومياً، وتوفر مادة الصلصال (الطين)، وهذه المواد متوفرة في فلسطين، بحسب دراسة أعدتها شركة هندية متخصصة العام الجاري في فلسطين.
وقال قواس: إنّ فترة تشييد المصنع ستستغرق 4 سنوات كحد أدنى، وعليه سيتم خلال تلك الفترة إيجاد فرص عمل لأصحاب شركات المقاولات والمكاتب الهندسية ومزودي الخدمات، ومصانع الباطون، وغيرها، ما يعود بالفائدة الجمة على المنطقة بأكملها.
نواة لمشاريع أخرى
خليل النمروطي رئيس قسم الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة الإسلامية قال لـ "الرأي": "إذا تحقق ذلك بوجود منتج للأسمنت بمواصفات عالية وأسعار منافسه للمستورد الإسرائيلي، فسيكون من المشاريع الريادية والناجحة في الأراضى الفلسطينية، بل سيكون نواة لمشاريع استثمارية أخرى، الأمر الذي يكون له مردود على المجتمع الفلسطيني مع مرور الزمن، حيث الوفرة في الإنتاج المحلي، وتقليل كمية الاستيراد".
وأضاف النمروطي "كما أن ذلك من شأنه أن يبقى العملة الصعبة في البلاد، خاصة وأن فاتورة استيراد الأسمنت تكون عالية ومرهقة حيث تحتاج إلى ملايين الدولارات، ففي حال اكتفينا ذاتياً من الأسمنت بقيت العملة لدينا، على عكس ما يجرى الآن تخرج العملة أضعاف مضاعفة لما يدخل منها".
وأكد أنّ قطاع الإنشاءات يعد مكون رئيس من مكونات الناتج المحلي، والركيزة الأساسية له هو الأسمنت فمن خلاله سيعمل على تشغيل القوى العاملة، باعتبار أن عشرات الأسر تعيش من خلف قطاع الإنشاءات.
ويبقى السؤال المطروح "هل سيتم تنفيذ المشروع على أرض الواقع في ظل وجود المحتل وعقبات من قبل أصحاب الأراضي، أم سيبقى حلم وأوراق تنتظر نفض الغبار عنها أو حبيسة الأدراج؟!".

