كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل عندما رن الهاتف وردت الأم ليجيب الشخص الذي كان على الخط بأن "ابنها الوحيد عبد الدايم الذي خرجت به من الدنيا هو وأخته، قد خطفته مجموعة مجهولة الهوية برفقة ثلاثة من الشباب بغزة عقب دخولهم الأراضي المصرية".
اختطاف وحيدها صدمها
" لا..لا لايمكن أن يخطفوا ابني وحيدي، أنا لا أصدق ماسمعته، يبدو أن الخبر عاري عن الصحة أو أنها مجرد مزحة من شخص ما، لكن لماذا يتم خطفه ومن يخطفه بهذه الطريقة المفاجئة وماهو الذنب الذي اقترفه"، هكذا تساءلت الأم بداخلها لعلها تجد جوابا .
لم تصدق الأم ماسمعته أذناها، لكنها ما لبثت أن بكت بشدة وانهارت من هول ماحدث، كيف يخطف ابنها وهو كان يريد طلب العلم وليس حاملاً في جعبته ما يؤذي غيره، وكيف له أن يخطف وهو لم ينتحل شخصية أحد ولم يسيء للآخرين قولاً أو فعلاً.
وعن ذلك تقول والدة عبد الدايم أبو لبدة ويبلغ من العمر(24 عاماً): "أنهى ابني دراسته لهندسة الحاسوب من جامعة الأزهر بغزة، ومن ثم عزم على استكمال دراسة الماجستير وخرج بطريقة رسمية بعد أن سجل اسمه للسفر، وكان من المفترض أن يتوجه لتركيا".
وتضيف بكلمات متقطعة: "كنا على اتصال مع عبد الدايم حتى دخوله صالة الانتظار في معبر رفح، وتم الاطمئنان عليه ووعدنا حال وصوله إلى تركيا بالاتصال بنا أو إرسال رسالة تؤكد وصوله سالما"، موضحة أنها لو كانت تعلم بما ينتظر ابنها لما تركته يسافر وحده أو على الأقل منعته من السفر، بعد أن صدمها خبر اختطافه.
لا تنام الليل
سألتها كيف تمر الأيام عليها وابنها غائبا عن المنزل منذ حوالي أسبوعين، توقفت الأم المكلومة عن الكلام وسادت لحظات من الصمت الرهيب، ومن ثم خطف البكاء الكلمات من حلقها، بكت وبكت بحرقة ولوعة على غياب فلذة كبدها، بكت وكادت تبكينا معها...
حينها شعرت بقسوة السؤال ومرارته، لكنها ما لبثت أن تابعت حديثها بعد دقائق: "كيف لأي أحد أن يتوقع حالنا بالبيت، لا أنام الليل أبدا وأنا أفكر في مصير ابني الوحيد الذي خرجت به من هذه الدنيا هو وشقيقته، من خطفه ولماذا وماهو مكانه ولماذا حرموني أخباره، أعيش الحزن والهم وأنا لا زلت في انتظار الخبر الذي يطمئنني عليه".
وحول إذا ماوصلتهم بعض الأخبار عن ابنها، تقول الأم: "حتى الآن لم يصلنا من الجهات الحكومية والرسمية بغزة أي أخبار عن مصير ابني والشباب الذين خطفوا معه، والاتصالات لا زالت شخصية من قبل بعض الأقارب والأصدقاء والجيران الذين يسألون عن عبد الدايم ".
ووجهت مناشدة إلى الحكومة المصرية وكافة الجهات المسئولة بضرورة الكشف عن مصير ابنها وإعادته إليها، مؤكدة أن مايشعرها بالخوف والقلق عدم وجود أي دليل أو خبر حتى الآن حول هوية الخاطفين، وعدم اعتراف أي جهة بما حدث.
لوعة الفراق
ولم تقتصر لوعة الفراق والآهات على عائلة أبو لبدة فحسب، بل شاركتها الحزن عائلة المختطف حسين الزبدة ولم يكن حالها أفضل، فالأم والزوجة والعائلة بأكملها تعيش ظروفا قاسية ومحبطة للغاية حتى فقدت اللا شعور بعد سماع خبر اختطاف نجلها على يد جهة لا تزال مجهولة حتى اللحظة.
يقول "محمد" شقيق حسين بنبرة حزن طغت على معالم الكلمات: "إن شقيقه كان في طريقه لإكمال تعليمه بطريقة بعد حصوله على منحة رسمية إلى تركيا، حيث كان آخر اتصال معه الساعة السابعة والنصف مساء، حيث وعدنا بالاتصال حال وصوله بسلام ولكن لم تأت الرياح بما تشتهي السفن".
باختطافه خطفوا فرحة أسرته
وعن ظروف البيت الكئيبة، يضيف بلهجة حزينة: "وضع والدتي وزوجة أخي لا يحتمل، نعيش حالة غير طبيعية من الألم والأسى والحسرة على غياب حسين، وكل يوم يمر علينا بدونه كأنه سنة طويلة، وما يزيد الحسرة في قلوبنا أنه لا خبر حتى الآن عن مكان وجوده أو هوية الجهة الخاطفة، ولماذا تم اختطافه برفقة من كانوا معه"، هكذا عبر خميس عن ظروف البيت القاسية في غياب شقيقه المختطف منذ أكثر من 14 يوما.
ويبلغ حسين 28 عاما من العمر ولديه طفل وطفلة، وكان من المقرر أن يتابع دراسته في تركيا بعد أن أنهى بكالوريوس في الشريعة الدينية.
ويطالب شقيق حسين السلطات المصرية والجهات المعنية بضرورة الكشف عن هوية خاطفي شقيقه وتحريره وإعادته سالما كونه كان طالب علم لاغير.
اختطاف عبد الدايم وحسين لم يكن مجرد خبر يذاع أو ينشر في وسائل الاعلام بل كان للخبر عواقبه الوخيمة، فاختطاف هؤلاء الشباب خطف الفرحة والسعادة من قلوب ذويهم، وباتت الأسرتين تعيشان ظروفا حالكة السواد بسبب غموض حادثة الاختطاف، وما يوجع أكثر هو عدم اعتراف أي جهة باختطافهم.
وكان أربعة شبان فلسطينيين قد خطفوا قبل أكثر من أسبوعين من حافلة الترحيلات في مدينة رفح المصرية، أثناء سفرهم من قطاع غزة إلى تركيا عبر الأراضي المصرية، وهم: عبد الدايم أبو لبدة وحسين الزبدة، عبد الله أبو الجبين، ياسر زنون.

