بالسم، أو معلقاً بالحبل، سأنهى حياتي ومعاناتي، التي تلازمني ولا تفارقني، لا أقوى على مواجهة المصير أو الرضي بالقليل ، سأنتحر، وارتاح داخل القبر .
هذا هو حال الكثيرون ممن أقدموا على إزهاق أرواحهم عنوة لأي سبب كان، للخروج من المعاناة التي يعيشونها أو المشكلة التي يواجهونها بالهروب والاعتراض على قضاء الله وقدره، فكانت آفة الانتحار التى بدت تبزغ جذورها داخل المجتمع الغزى.
"الرأي" رصدت آراء الكثيرون من المواطنين وأخصائيون نفسيين، ورجال دين، حول هذه الآفة، وأعدت التقرير الآتي:
المواطن بسام العطار قال "هذا السلوك مرفوض تماماً من أي شخص كان ومهما كانت المبررات، ويدل على ضعف الوازع الديني عند اللذين لا يجدون إلا الانتحار كمخرج وحيد للهروب من صعوبة الأوضاع المعيشية في قطاع غزة".
وتمنى العطار بأن تكون هذه الظاهرة حالة عابرة وليست ظاهرة متفشية، مطالباً كافة المعنيين والمسئولين أن يتحملوا مسؤولياتهم اتجاه هؤلاء الشباب.
من ناحيته، وصف محمد خليفة هذه الآفة بالسلوك الخطير الذي يحتاج إلى ضرورة توعية المجتمع به، خاصة وأننا نعيش في مجتمع مسلم، مرجعاً الأسباب إلى الاقتصاد والوازع الديني، وضعف العقيدة بالأساس إلى جانب سوء معاملة الأهل لأبنائهم.
د. جميل الطهراوي الباحث والخبير في الصحة النفسية والعلوم الاجتماعية في الجامعة الإسلامية، قال "لا تعتبر حالات الانتحار في مجتمعنا الفلسطيني ظاهرة وإنما هي حالات فردية ولكل منها قصتها، وقلما تكون هناك حالات جماعية أو قد تكون منعدمة هنا".
وأضاف "الأسباب متباينة، ولا يمكن أن نقول بأن معظم حالات الانتحار كانت بسبب الأوضاع الاقتصادية بغزة، لأن قبل يومين حدثت محاولة انتحار لموظف من السلطة أمام بنك فلسطين".
وكرر قائلاً: "إنّ حالات الانتحار غالبا ما تحدث لأسباب مختلفة وليست محملة فقط على الجانب الاقتصادي في غزة، بل تجد حالات انتحار أو ما تعرف بظاهرة الانتحار في بلاد اقتصادها مستقر وحياتهم أيضا مستقره".
وأرجع الطهرواى ذلك إلى أن ما يحدث في غزة، وخاصة بين الشباب الفتيات صغار السن يكون نتيجة لتشبع الكثير منهم بتقليد الأفلام والمسلسلات في حال مر بمشكلة ما، الأمر الذي قد يهدد حياته بالموت في حال لم يتم اللحاق بهم، فيكون مصيره الموت منتحرا.
وأكد الطهرواى أن ثقافة مجتمعنا والعادات والتقاليد تجعل الكثيرون يعزفون عن هذا السلوك القاتل، كما أن الوازع الديني لدينا يصرفنا عن ذلك، مشبهاً الأمر كما لو دعيت مجموعة لتناول الخنزير فكيف يكون انطباعهم.
وشدد الباحث على ضرورة توعية المجتمع والآباء والأمهات بضرورة توعية أبنائهم، بخطورة الانتحار ومحروميته وما مصير من ينتحر في الدار الآخرة وما هو عقابه من الله.
د.ماهر السوسي الأستاذ المشارك في كلية الشريعة والقانون أكد أنّ الانتحار محرم لأى سبب من الأسباب ومهما كان دافعه، وقد ورد كثير من الآيات والأحاديث التي تحرم قتل النفس، أو أن تقتل من قبل أشخاص آخرين بأي حال من الأحوال.
وشدد على ضرورة أن يحمل كل إنسان المسؤولية في توعيه المواطنين وتعزيز الجانب الديني لديهم ، وأن لا يقتصر الأمر فقط على رجال الدين وحدهم، بل يقوم بها الجميع سواء في المدارس أو الجامعات أو المساجد في كل مكان.
ولفت السوسي أن الدوافع محدودة وقليلة بقدر محدودية حالات الانتحار الموجودة في المجتمع الفلسطيني، مؤكداً على ضرورة تثقيف المجتمع باحترام النفس الإنسانية وحقها في الحياة والذي يعد أعلى مرتبه من باقي الحقوق.
وعد السوسي أن الانتحار لا يعد حلاً للمشكلة بل هو هروب من الواقع، الأمر الذي يؤدى إلى تفاقمها عما كانت عليه من قبل مطالبا الدول والمؤسسات ووسائل الإعلام بمحاربة تلك آلافه المحدودة والعمل على عدم بزوغها أو انتشارها.
يشار إلى أنّه في الآونة الأخيرة حاول عدد من الموطنين في قطاع غزة اللجوء لآفة الانتحار، معتقدين خاطئاً أنّه يهربون من المشاكل الاقتصادية والنفسية والاجتماعية التي تواجههم، فمنهم من باءت محاولاتهم بالفشل بعد إنقاذ المارة لهم، وآخرين وقعوا في شرك هذه الآفة الخطيرة التي تؤدي إلى النار مهما كانت الأسباب.
ويُعد الوازع الديني وقوة الإيمان لدى الإنسان العلاج الأمثل للحد من هذه الآفة الخطيرة، لضمان عدم تفشيها في المجتمع الفلسطيني المحافظ والمتلزم دينياً وأخلاقياً واجتماعياً.

