ليل حالك الظلمة يحتضن السكون، تخترقه انفجارات صواريخ العدو الغادرة، لتسقط بالقرب من بيت آمن مستور يضم بين جدرانه امرأة تحلم بالعيش بسلام وحرية مع زوجها وأطفالها بعيدًا عن مصائب الدنيا وبطش الاحتلال.
صراخات وهُتافات تستنجد من يكون، أجساد تحت ركام المنزل تنتظر يد العون، بعد أن استهدف الاحتلال موقعي تدريب تابعين لكتائب عز الدين القسام بالقرب من منزلهم الواقع في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، ليتهاوى بعدها المنزل الركيك ذو سقف "الزينكو" على رئوس ساكنيه النائمين الحالمين بالأمان.
"صحينا ع صوت الصاروخ الأول، وبجانبي زوجتي نور بتسألني شو اللي صار، ولسة بقوم أشوف شو فيه، فسمعنا صوت الصاروخ التاني ووقعت الدار كلها علينا حتى السقف والخزانة".
هكذا بدأ معنا يحيى حسان رب الأسرة وصاحب البيت حديثه ليصف ما حدث معه وأسرته ليلاً بعد قصف المكان، مضيفًا: "نور طبعًا عطول استشهدت، وضليت سامع صوت رهف 3 سنين، ومحمد 5 سنين بينادوا عليا يا بابا الحقنا وأنا بحكيلهم هيني جاي لحد ماانقطع صوت رهف وعرفت أنها استشهدت".
بعد ذلك استطاع يحيى أن يزيل حجرًا من فوق وجهه ليفتح بها طاقة صغيرة تدخل له الهواء للتنفس.
يحيى الذي لم يستطع استكمال الحديث معنا لتعبه والوجع الذي ألم به، أصابه كسر في يده اليمنى وقدمه اليسرى حسب ما أفادنا عمه نصر حسان الذي شهد الحادثة بعد سماع دوي الانفجارات، ليجد منزل ابن شقيقه ركامًا على الأرض بعد تفقده ما حدث.
ووصف لنا حسان ما حدث باعتباره شاهد على جريمة الاحتلال النكراء: "الساعة الواحدة والنصف ليلاً سمعنا صوت الانفجارات، وبعد أن وجدنا منزل ابن شقيقي على الأرض، بدأنا أنا وأبنائي والجيران، بإزالة الركام، وانتشال الجثث من تحتها، فوجدنا نور وابنتها ذات الثلاث أعوام قد فارقتا الحياة، ثم توجهنا إلى المستشفى بعد أن طلبنا سيارات الإسعاف".
وأضاف حسان مطمئنًا على حالة الصغير محمد: "محمد مصاب بجروح في الرأس، ولكن وضعه الصحي مستقر".
نور رسمي مزهر (23 عامًا) ترحل وتترك أم ثكلى وطفل صغير ينادي ماما، منذ غيابها عنه حتى وإن ذهبت للسوق لقضاء حاجة، ولكن بعد اليوم سيبقى محمد الصغير ينادي عليها، دون أن تأتي هي لتحتضنه بحنانها، ليعرف محمد معنى اليتيم مبكرًا.
والدة الشهيدة نور كانت تبكي بحرقة وهي تحدثنا عن ابنتها المحبة لجميع الناس، والمحبوبة أيضًا من الجميع: "نور استشهدت هي وبنتها، وكمان جنينها لأنها حامل في الشهر الخامس، وضل ابنها لحاله مع أبوه".
وتخبرنا أم محمد (والدة نور) عن الفاجعة وكيف وصل الخبر إلى أهل نور الذين يقطنون في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة: "الساعة 2 بالليل، اتصل علينا أقارب زوجها ليخبرونا أن البيت وقع عليهم لأنه متهالك، وتم نقلهم إلى المستشفى ويوجد إصابات فقط".
وتتابع أم محمد حديثها: "ذهبنا إلى مستشفى الشفاء لنجد الصحفيين والناس، وعرفنا بعدها باستشهاد نور وبنتها رهف".
نور شخصية هادئة الطباع، وبسيطة جدًا، تعيش من أهل الخير نظرًا لأن زوجها عاطل عن العمل، تدعي دائمًا بالخير وللمجاهدين، وتتمنى أن تتوحد الأمة، وإبادة الاحتلال كما عبرت لنا والدتها، حامدة الله على نيل ابنتها للشهادة.

