لا تزال انتفاضة القدس مستمرة بالرغم من كونها فردية وليست فصائلية أو حزبية ودون قيادة لها، ومع عجز "إسرائيل| عن وضع حد لهذه الانتفاضة في القدس والضفة المتواصلة منذ شهرين، لاتزال عمليات الطعن والدهس والتظاهرات قائمة، في الوقت ذاته يحاول الاحتلال قمع الانتفاضة بشتى الطرق، ولازال يضع الكثير من الخيارات والحلول من أجل اجهاضها، فما هي السيناريوهات المتوقعة من قبل "اسرائيل" تجاه انتفاضة الفلسطينيين؟
سياسة العقاب الجماعي
المحلل السياسي في الشئون "الإسرائيلية" محمود مرداوي أكد أن المستوى السياسي في اسرائيل يسعى إلى زيادة رقعة العقاب الجماعي للفلسطينيين في محاولة لوقف الانتفاضة ولكن بشكل محدد، خاصة بعدما أشارت بعض التقارير "الإسرائيلية" إلى أن جميع المؤشرات تدل على أن الانتفاضة مستمرة و"إسرائيل" تمتلك الكثير من المعلومات التي تشير لذلك، وهذا يعتبر من أبرز السيناريوهات التي يسعى إليها الاحتلال لإجهاض العمليات ضد الاحتلال بالقدس والضفة.
وقال مرداوي في حديث للرأي:" هناك خلافات مدوية واسعة النطاق في أروقة السياسة الإسرائيلية، وقد ظهرت واضحة خلال النشرة العبرية المصورة في القناة العاشرة يوم أمس من خلال بعض التراشقات بين المستوى السياسي والعسكري"، محذرا من احتمالية انهيار السلطة وتبعات ذلك على الأوضاع بالضفة والقدس .
وفيما يتعلق باحتمالية أن تقوم "اسرائيل" بتسليم بعض المناطق للسلطة وفتح باب المفاوضات معها في محاولة لإسقاط الانتفاضة، أكد مرداوي أن الاحتلال لا يمكن أن يتخذ إجراءات للانسحاب من مناطق للسلطة، وحكومة نتنياهو المتطرفة لا يمكن أيضا أن تتخذ مثل هذه القرارات لأن استخدام القوة المفرطة والعنف هو سيناريو آخر للتعامل مع الفلسطينيين بسبب استمرارهم في الانتفاضة، مشيرا إلى أن الانتفاضة تكبد الاحتلال الكثير من الخسائر وتضعه أمام خيارات صعبة.
ويبدو أن الخلافات في طريقة التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية انتقلت إلى داخل الحكومة "الإسرائيلية"، وفتحت مزادا للتشدد في السياسات ضد الفلسطينيين، وتحد الخلافات من قدرة نتنياهو على القيام بأي مناورة سياسية.
جدار عازل
وحول السيناريوهات المتوقعة للاحتلال من أجل التعامل مع الانتفاضة، قال الكاتب والمحلل السياسي ابراهيم المدهون:" إن الاحتلال لم يعد قادرا على لجم المقاومة ووقف المد الثوري لانتفاضة القدس، وهو يسعى الى تغطية فشله من خلال عمليات الاقتحام والمداهمات بشكل أوسع، واجتياح بعض المناطق التي تتركز فيها الانتفاضة القائمة وخاصة مدينة الخليل ورام الله".
وأضاف:" تحاول اسرائيل أيضا عزل بعض المناطق الفلسطينية عن طريق وضع جدار يفصلها مع الفلسطينيين، وهو ماقررته الحكومة الاسرائيلية لإحاطة مدينة الخليل بجدار عازل"، منوها الى أن الحديث يدور حول انهيار متوقع للسلطة.
وحول امكانية أن تتنازل حكومة الاحتلال عن بعض التسهيلات للفلسطينييين، أكد أن الحكومة الموجودة حاليا تعتبر حكومة متطرفة ومنح السلطة الفلسطينية أي تسهيلات غير وارد في أولويات حكومة نتنياهو، وعلى العكس تقوم اسرائيل بشكل يومي بزيادة رقعة الاستيطان على الأراضى الفلسطينية .
تحريض على الفلسطينيين
بدوره أوضح المحلل في الشئون الاسرائيلية محمد شاهين، أن العديد من أعضاء الكنيست وأعضاء اليمين المتطرف "الإسرائيلي" دعو الى التعامل مع تلك الانتفاضة بقوة وحزم، فمنهم من طالب بالقتل الفوري للمنفذين"إعدام ميداني" لكي يكون هذا رادعا لغيرهم، ومنهم من طالب باتخاذ اجراءات رادعة لذويهم مثل الاعتقالات وهدم بيوتهم، ومنهم من طالب بإطلاق النار فقط لإصابتهم واعتقالهم والتحقيق معهم لكي يقضوا بقية حياتهم في السجون.
وقال شاهين في حديث للرأي:" أما على الجانب الآخر من المحللين اليساريين ومن أعضاء الكنيست والوزراء درسوا معظم حالات الإستشهاديين، وتبين بأنهم لا يتبعون لتنظيمات فلسطينية بل غالبيتهم صغار بالسن أو أرباب أسر وغير موجهين بل أعمالهم فردية ومن الصعب السيطرة عليها، وتبين حسب زعمهم أنهم يقومون بتلك العمليات من حالة اليأس والذل التي يواجهونها على الحواجز وبحياتهم اليومية من بطالة وما شابه".
تسهيلات مقابل وقف الانتفاضة
ولفت في حديثه إلى أن هؤلاء اليساريين طالبوا برفع الكثير من الحواجز الاحتكاكية، وتسهيل حركة المواطنين وإصدار عدد كبير من تصاريح الدخول للعمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ودعم الاقتصاد الفلسطيني بتسهيل التصدير والاستيراد ودعم العمل وحركته بكل المجالات، وبذلك تخف حدة التوتر وتنخفض الاحتكاكات اليومية بين المواطنين وجنود الاحتلال والمستوطنين، ويعتبر ذلك من أهم السيناريوهات التي تدرسها اسرائيل في الوقت الحالي.
وفيما يتعلق بالحديث عن احتمالية انهيار السلطة، أكد شاهين أنه طالما لم تتدخل السلطة لدعم الانتفاضة بشكل علني سوف تبقى على حالها ولن يتغير شيء، موضحا أن الرئيس محمود عباس لن يستنكر كل ما حصل أو يدينه أو يدعمه بشكل علني، ولكن اذا ما تغير موقفه تتغير الكثير من المواقف والإجراءات.
خلافات اسرائيلية عميقة
هذا وكشفت الانتفاضة عن خلافات "إسرائيلية" داخلية عميقة في التعامل مع الهجمات على المستوطنين، وعمليات الطعن بالسكاكين، فقد أوصى جيش الاحتلال "الإسرائيلي" بضرورة منح تسهيلات للسلطة الفلسطينية، ودعم الاقتصاد ومشاريع البناء، وإطلاق سراح أسرى، ونقل أسلحة وذخيرة وسيارات محصنة لأجهزة الأمن الفلسطينية لمساعدتها في تنفيذ اعتقالات بحق الداعين لاستمرار العمليات.
لكن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يرفض تقديم أي تسهيلات ويواصل اتهام السلطة بالتواطؤ والتحريض على ما وصفة أعمال عنف وقتل بحق الإسرائيليين، رغم أن ضباطا إسرائيليين وبعض المراقبين الأجانب أشاروا إلى دور قوات الأمن الفلسطينية في احتواء بعض العمليات من خلال الاعتقال الوقائي لمن يحتمل أن يكونوا نشطاء.
وفي تصريحات للقناة السابعة قال وزير الحرب "الإسرائيلي" موشيه يعلون إنه لا يمكن وضع حّد لانتفاضة القدس، وهي في تصاعد مستمر، ولا يمكن ضمان أنها سوف تهدأ.
وتوقع يعلون أن "الانتفاضة سترافقنا الأيام والأسابيع المقبلة، بل وربما أكثر من ذلك"، داعيا إلى بحث المزيد من الخيارات في التعامل مع الأوضاع.

