من المستهجن أن تعرف أن مستشفى الولادة المركزي في قطاع غزة والذي يستقبل حالات الولادة الطبيعية والقيصرية، والجراحات النسائية، وحالات الحمل الخطر من كافة أرجاء القطاع آيل للسقوط في أية لحظة وأن مصير النساء والسيدات مهدد وآيل للانهيار هو الآخر، وما من مكترث لإيقاف هذه المهزلة.
والأكثر إيلاماً العلم بوجود مستشفى حديث البناء وعلى طراز عالمي من حيث المواصفات الواجب وجودها غير أنه بلا مرضى وغير مرتقب انشغاله بالمرضى، ومع ذلك يرفض طرف ما من ضمن الأطراف المسئولة عنه تقديمه مؤقتا بالكيفية المناسبة لحفظ أرواح بناتنا ونسائنا وأمهاتنا وأخواتنا وأطفالنا من موت محقق.
ونعني هنا مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني والذي مازال مصنفا على أنه مستشفى بلا مرضى، في ذات الوقت الذي تعاني فيه النساء من وجودهن كمريضات بلا مستشفى.
فوبيا
كون شبكة "الرأي" تشكل إعلاما مركزيا للحكومة فإننا من خلالها نشيد بالمعونة العاجلة التي أمرت بتخصيص (4) ملايين دولار لإعادة بناءه، لكن هذا القرار ليس إلا حلاً مؤجلاً مع وقف التنفيذ، وأن الزمن اللازم لإعادة البناء لن يقل عن سنتين على أقل تقدير، وبالتالي فإن المشكلة مازالت قائمة وما من حل بديل وسريع حتى هذه اللحظة لتجاوز هذه الكارثة.
زيارة واحدة لمستشفى الولادة المتهالك كفيلة بإدخالك في حالة اكتئاب و"رهاب" نفسي من صورة الجدران المتقشرة والمكشوفة والكتل الإسمنتية التي مازالت متساقطة على الأرضيات كشاهد على تداعي المبنى و انهيار وشيك قد يحدث في أية لحظة وأنت مجرد زائر تحاول اكتشاف الأزمة عن قرب لمبنى تجاوز عمره الـ(60) عاما.
ورهاب آخر من جلوس المرضى والمرافقين في ازدحام خانق نظرا لإخلاء ما يقارب من 20 سريرا وضمهم ليصبحوا كـ"قطار الصعيد" درجة ثالثة في مكان واحد، فوق بعضهم البعض بجرد من الحقوق الإنسانية لمريض هو بحاجة لأقل القليل سرير نظيف ومريح وتهوية مناسبة ولا إزعاج، و"رهاب" أخير هو أشد وطأة متمثل في حالة توتر قصوى لطاقم العاملين من أطباء وتمريض الأمر الذي سينعكس بالطبع سلبا على تقديم الخدمة الجيدة.
مأساة قصوى
وصفت مديرة التمريض في مستشفى الولادة الآيل للسقوط في مجمع الشفاء الطبي ليلى المشارفة لـ "الرأي" حجم معاناة النساء اللواتي يحتجن للمعاينة والمتابعة والمبيت في القسم المذكور بـ"المأساوي بأقصى صورة"، نظرا لتعطل المبنى والفوضى المصاحبة لذلك.
حيث أن القسم يضم عنبر حالات الحمل الخطر، ووحدة العناية المركزة، وغرف مبيت ما بعد العمليات بأنواعها (القيصرية، والنسائية) والتي تضم على أقل تقدير حوالي 93 سريرا، وغرفة العمليات النسائية، والعيادات الخارجية، والمختبر.
ولفتت المشارفة أنه في الأحوال الطبيعية ما قبل كارثة الإخلاء لم يكن المكان كافيا لاستيعاب جميع النساء ووجود معاناة قلة الأماكن المتاحة، والآن في ظل الوضع الحالي فإن الوضع برمته ما عاد يُحتمل لا من قبل المرضى ولا من قبل الطواقم العاملة.
بديل غير مجدي
وبينت المشارفة أن الخطة البديلة المقترحة كانت تدور حول إخلاء المبنى تماما وتوزيعه على أقسام أخرى ضمن مجمع الشفاء كمبنى الجراحة الجديد أو بشراء خدمة من مستشفيات خارجية كالقدس والصحابة، غير أن كلا الفكرتين لم تكن صالحة تماما للتطبيق لما فيها تعريض النساء والمواليد على حد سواء لخطر التنقل والمتابعة الدقيقة، وتشتيت جهد الطواقم العاملة.
وقالت المشارفة: "تخيلوا لو أن حالة من حالات الحمل الخطر احتاجت لعملية سريعة في الليل وهو الوقت الذي يكون القسم فيه خاليا إلا من ممرضة وطبيب مناوب فإن الممرضة بحاجة للانتقال من مكان لآخر مع المريضة لحين إيصالها لغرفة العمليات التي ستكون في مكان آخر تماما، والكارثة الكبرى لو أن مريضة أخرى دخلت المستشفى لذات الحاجة، مشيرة بذلك لقلة كادر التمريض بفعل عدة أمور أخرى كنقص الميزانية والمصروفات التشغيلية وعدم اعتراف رام الله بوجود كيان قطاع غزة بأكمله.
المثال السابق حقيقي لأبعد حد وهو متوقع والأكثر إيلاما ما قد يسببه هذا التشتت من تهديد صارخ لحياة السيدة والطفل حديث الولادة والذي يحتاج في غالب الأحيان لوجود حاضنة وطبيب أطفال لمعاينته وغيرها من تدابير طبية بحته تستوجب أن يكون مستشفى الولادة الأكبر والمركزي على مستوى القطاع كاملا متكاملا في بؤرة واحدة دون بعد مكاني أو زماني يؤثر على سلامة النساء وجهد العاملين وتركيزهم.
تأجيل الإخلاء
وبدورها أكدت المشارفة أن هذه المعضلة أرجأت إخلاء المبنى بشكل كامل والاكتفاء بإخلاء الجزء الذي وقعت به كتل إسمنتية من السقف فوق رؤوس السيدات آنذاك، مما فاقم الرعب المتزايد في قلوب باقي السيدات وذويهن بانهيار المبنى في أي لحظة فوق كل من يتواجد فيه، مبينة أن استغلال مبنى الجراحة لم يكن حلا مثاليا نظرا لأن ذات المعاناة حدثة قبل أشهر معدودة مع مبنى الباطنة الذي تم إخلاؤه هناك.
حالة الارتباك هذه انعكست سلبا على المرضى وجودة الخدمة المقدمة فالزائر لهذه الأماكن وخصوصا مبنى الولادة سيشهد بأم عينه الاكتظاظ غير المحتمل والنساء اللواتي افترشن الأرض لعدم وجود أسرة كافيه، وهو أمر لا يتناسب أبدا مع خصوصية وضع النساء والحمل الخطر والحاجة الماسة للراحة والمتابعة والعناية، وهو ما يدفع البعض للوم المستشفى على الإهمال أو انعدام العناية.
من جهتها، أكدت المشارفة بالأرقام الرسمية على وجود ما لا يقل عن 20 حالة ولادة بلا سرير يوميا، وستصاب بدهشة وألم حينما ترى الأرقام التي توضح أن عدد العمليات القيصرية يوميا لا يقل عن 20 حالة، ومثلها للجراحات النسائية الأخرى، ناهيك عن أن الإحصاءات السنوية تبين أن هذا المستشفى استقبل خلال العام المنصرم 2015 (1900) حالة، و(4516) قيصرية، و(2294) طفل دخل الحضانة، وغيرها.
مناشدة
وفي ذات السياق، شددت الممرضة في ذات القسم شادية محيسن على أن ازدحام القسم بوضعه الحالي زاد من توتر الأهالي خوفا على نسائهم وبناتهم ومن توتر الطاقم العامل المفترض به تقديم خدمة جيدة على أقل تقدير.
وبينت محيسن أن قلق ذوي السيدة التي تأتي للمستشفى للولادة أو العلاج يجعلهم في حالة نفسية سيئة ويتعاملون من الطواقم بذات القلق التي يؤدي إلى توتر التمريض والأطباء وقد تصبح مشكلة بسبب الضغط المفروض رغما عن الجميع.
داعية إلى ضرورة تفهم الوضع الحالي والمساعدة في تقليص الأزمة لا بمفاقمتها بعدم التدافع للزيارة والجلوس مطولا نظرا لأن القسم على وضعه الحالي لا يحتمل أية زيادات.

