غزة-الرأي-سمر العرعير
كثيراً ما سمعناها أو تردد على مسامعنا إسمها "محاكم الجنايات الدولية " والمنظمات الحقوقية زمن الحروب ،وكأنها هي من تريد أن تنصف الغريق ، وتعاقب المجرم على ما اقترفته يداه من جرائم الإبادة بحق المدنين الأبرياء.
وإلى وقتنا هذا وبعد مضي قرابة العامين على الحرب الثالثة على غزة ،لا حراك أمام تلك المحاكم أو رجع صدى تجاه ما إقترفته آلة الحرب الإسرائيلية من إبادة جماعية بحق العوائل الفلسطينية هنا في غزة .
فخلال واحد وخمسين يوماً قضاها قطاع غزة تحت وقع هذا العدوان تقاربت الأرقام لتؤكد أن هناك 2149 شهيدًا فلسطينيا؛ بينهم 530 طفلاً، و 302 من النساء، وإصابة ما يقارب من 11.000 مواطن فلسطيني آخرين، كثير منهم من النساء والأطفال. كما تم استهداف أكثر من 100 عائلة، وبلغ عدد الضحايا جراء القتل الجماعي أكثر من 600 مواطن؛ أي ما يعادل 40% من ضحايا الحرب.
ما دفعني هو أن تلك المحاكم لا نجد لها رجع صدى أو أي نتائج أو عقوبات على أرض الواقع بحق مرتكبي تلك الجرائم، ليبقى السؤال المطروح قائما :هل ملفات الإبادة تبقى طي الأدراج هناك ،وهل متابعتها من طرف الجانب الفلسطيني مازال مستمر ؟
جاهزون لطلب الملفات
مدير عام الهيئة الفلسطينية لملاحقة جرائم الاحتلال إيهاب كحيل أوضح أن الملفات والتقارير الخاصة بمجازر الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان الأخير على غزة جاهزة وموثقه فهناك ملفات تقارب ال70ملف خاص بمجازر الإبادة الجماعية وملفات خاصة بتدمير المساجد والمنازل وأخرى خاصة بمحطة الكهرباء وغيرها من الملفات التي يجب أن يعاقب عليها القانون .
وبين كحيل في حديثه لـ"الرأي" أن الهيئة وفور حدوث أي عدوان تنتشر بطواقمها أو المندوبين لها من كل الوزارات والهيئات لتزويدها بالمعلومات اللازمة لرصدها وتوثيقها بالصوت والصور وفق أحدث الأساليب القانونية والمعايير للمحاكم الدولية .
وأكد كحيل أن الملفات جاهزة ومستعدة في حال طلبت محكمة الجنايات الدولية استدعاء تلك التقارير والملفات التي توثق الجريمة لافتا إلى أن أخراج تلك الملفات تكون من اختصاص رئيس الدولة محمود عباس أو الموافقة من قبله ووزير خارجيته .
وأوضح أن هناك محاولات فرديه من قبلهم يتم بموجبها مخاطبة المحامين في فرنسا وبريطانيا والأردن وبعض الدول وقد لاقت تلك المحاولات استجابة في كثير من الدول حيث منع الكثير من قيادات الاحتلال الإسرائيلي من دخولها ،أو أصدر بحقهم محاكمة غيابية في حال تواجد على أرضها يعتقل .
يشار أن محمود عباس في العام الماضي قد أصدر مرسوما رئاسيا بتشكيل اللجنة الوطنية العليا المسئولة عن المتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية، برئاسة د. صائب عريقات تكون مهمتها إعداد وتحضير الوثائق والملفات التي ستقوم دولة فلسطين بتقديمها وإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية من خلال لجنة فنية ترأسها وزارة الخارجية , وتقرر اللجنة الوطنية العليا أولوياتها بهذا الخصوص , ولها الاستعانة بمن تراه مناسباً , وتشكيل اللجان الفنية والقانونية المتخصصة بحيث تكون اللجنة الوطنية العليا مرجعية لها.
وأوضح مدير عام الهيئة الفلسطينية لملاحقة جرائم الاحتلال أن تلك اللجنة لم تقدم طلبات للمحاكم الدولية ،وأنها لا تعطي الموضوع الأهمية التي تتناسب مع حجم الأضرار التي لحقت بالمواطنين والمجازر التي ارتكبت واصفاً إياها بالشكلية .
ووصف كحيل التواصل مع صائب عريقات بالضعيف ،كما هو الحال بالنسبة لمنظمة هيومن رايتس ووتش والتي يجب عليها أن تدافع عن الضحية في أي مكان دون الكيل بمكيالين بمساواة المجرم بالضحية ،عادا موقفها بأنه ينتابه نوعاً من القصور تجاه ما أرتكب بحق الفلسطينيين من مجازر .
وأكد أن موقفنا بعد أن أصبحت فلسطين عضو قوى جداً لرفع تلك القضايا والملفات الأمر الذي يحتاج إلى عزيمة قوية لرفعه دون الرضوخ لأي ضغوطات خارجية من شانها هدر دماء الأطفال والنساء ،لافتا إلى أن من أمن العقاب أساء الأدب ،وأنه في حال لم تعاقب إسرائيل على ما ترتكبه من جرائم سيكون هناك المزيد منها لأنه لا رادع لهم ولا معاقب .
تشكيل لجنة
من جانبه ، قال عصام يونس مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة :" إن دورنا منذ بداية العدوان كان وما زال مستمراً لان حجم الجرائم التي ارتكبت بحق المدنين في غزة ترتقي إلى ما نسميه بجرائم حرب "
وأضاف "للرأي" " من جانبا اعددنا التقارير والملفات وقد سلمت لجهات الاختصاص ،لوضعها لمؤسسات المجتمع الدولي لافتا إلى أن العمل مشترك مع مؤسسات دولية ورسمية ووكالات متخصصة كاليونيسيف واليونيسكو والمنظمات الدولية إلى جانب المستويات السياسية والدبلوماسية "
وأكد أن نقل الجريمة مهم ولكن المطلوب الخطوة التالية بالتوجه نحو العدالة حتى لا يتكرر المشهد ،موضحاً أن عملهم يضع العالم تجاه مسؤولياته ، مشيراً إلى أن فلسطين ومنذ أن انضمت لمحكمة الجنايات الدولية أصبح يتوفر لها أداة حضارية ارتضاها العالم بنفسه .
وقال:"باعتبارنا جزء من العالم المتحضر ننتظر الفرصة لتحقيق تلك العدالة للبدء بفتح التحقيق وأن العمل مستمر من قبل اللجنة التي شكلت والاجتماعات الدورية قائمه ،والعمل قائم من قبل المحكمة ولكن العمل القانوني يحتاج إلى وقت ،حيث يتم الآن فحص تلك المعلومات من مصادرها سواء كانوا دول أو مؤسسات أو أفراد بما يتعلق بقضايا موضع الاهتمام ".
ووصف عمل المحكمة بأنه يسير بشكل جيد وأن عنصر الزمن قد تحقق، مضيفاً:" نهدف إلى تطهير العدالة المغيبة ونحتاج إلى تشكيل حالة ردع حتى لا نعيد الكرة مرة أخرى ليتوافق مع كحيل بقوله :" من أمن العقاب أساء الأدب "
وتابع :" نحن ننتظر البدء بالمرحلة الثانية وهى فتح باب التحقيق من تلك المحاكم ،موضحا أننا نسير في طريق ذو اتجاه واحد مهما كانت التكلفة السياسية "
جهود مستمرة
بدوره،أشاد وكيل وزارة العدل المستشار عمر البرش " للرأي" بجهود الوزارة في استثمار المؤتمرات المحلية والدولية من اجل ترجمة الأقوال إلى أفعال وتحويل عشرات بل مئات الدراسات والتقارير المفصلة الخاصة والعامة التي أدانت الاحتلال بكل الجرائم الواردة في ميثاق روما وتحويلها إلى عمل ملفات ولوائح اتهام تقدم للمجتمع الدولي وللمحاكم الدولية لجلب قادة الاحتلال كمجرمي حرب ومحاكمتهم على هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وقال:" جرائم الاحتلال واضحة وثابتة ومكشوفة وقد أثبتتها كافة التقارير الدولية والأممية ومنها نيفي بيلاي المفوض الخاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ، ريتشارد فولك من خلال تقريره الخاص بانتهاكات الاحتلال الصهيوني للقانون الدولي وحقوق الإنسان وتقارير جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ، وتقارير المؤسسات الحقوقية والإعلامية، بالإضافة إلي تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية المعروفة باسم تقرير غولدستون الذي أكد على ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في عدوانه على غزة
ولفت أن التحرك لتلك المؤسسات الدولية والمحلية لم يكن من فراغ ، بل بجهود الوزارة والقائمون على ملاحقة جرائم الاحتلال والاستفادة من المختصين الدوليين في مجال ملاحقة جرائم الاحتلال الإسرائيلي .
وأكد أن الوزارة تسعي لملاحقة ومحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة أمام القضاء الوطني للدول الأوربية التي تسمح قوانينها بمحاكمة مجرمي الحرب وقد أثمرت بعض هذه الجهود أن قام الاحتلال الإسرائيلي بتشكيل لجنة لبحث موضوع سفر المشاركين في الحرب للضغط على بعض الدول من اجل تعديل قوانينها كما حدث في بريطانيا بقوله:" للأسف قامت بتعديل تشريعاتها بما لا يسمح بملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة ويؤدي إلى إفلاتهم من العقاب ولكن الأمر لم يقف عند دولة فلازالت بعض الدول تلاحق الاحتلال على جرائمه وعلي سبيل المثال تركيا وغيرها من الدول "
وأوضح أن عدم ملاحقة ومحاكمة قادة الاحتلال كمجرمي حرب يؤدي إلي إفلات المجرمين الصهاينة من العقاب ، وارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني ، ويجعل الاحتلال وقادته الوحيدين في العالم فوق القانون ويعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر في غياب العدالة والقانون.

