الموت البطيئ يتسلل منذ أعوام مديدة إلى أرواح المرضى القابعين في قطاع غزة يوماً بعد يوم ,دون رأفة تلف تلك البوابة الصدأة التي ينساها الجانب المصري مغلقة على أشقائهم الفلسطينين أصحاب الحاجات المتنوعة غير العلاج والدراسة والعمل في الخارج ,والتي أصبحت الحلم المستحيل تحقيقه لدى الفلسطينيون في ظل التعنت الواضخ من قبل الجانب المصري.
الصغيرة "مرح دياب" لم تنل من اسمها نصيب الحياة وكان لها من سنوات الحصار العشر نصيب الأسد حين ابتدأت عمرها بعمره ,وطابقت السنوات العشر مع سنوات الحصار وهي تعاني من مرض الفشل الكلوي لتحتاج يوميا لعملي غسل كلوي في أقسام خاصة بمستشفى الشفاء .
الصورة التي برزت بها فرح مذ تم الإعلان عن مرضها وصعوبة سفرها من معبر رفح المغلق منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات كانت تمسك بـمثلجات الصيف , محاولة ممن يحيطون بها إدخال الفرح والمرح إلى قلبها الممتلئ بالهموم على صغر سنها ,كما ويعرف أن أصحاب مرض الفشل الكلوي لا يعيشون كثيراً.
كانت الطفلة مرح دياب لا تملك مالاً كافيا لدفع رشوة للضابط المصري كي يسير لها أمورها عبر ذاك المعبر الذي يفتح أبوابه في كل أربعة أشهر مرة واحدة , فيصفي فتحه خلال العام بأكمله خمسة عشرة مرة على الأكثر .
توفيت الطفلة مرح بعد أن خاضت أكثر من عملية سفر متأخرة ,ففي كل مرة كانت تسافر فيها على غير موعدها الذي يجب أن تتواجد فيه خارج القطاع كانت تزادد حالتها سوءاً رغم محاولتها زراعة كلية جديدة إلا أن العملية باءت بالفشل وذهبت مرح إلى جانب ربها فرحة إلى مثواها الأخير ,لتثير بموتها الموت المتجددة على المحاصرين داخل القطاع.
لحظات أخيرة
أما عن الطفل زين الدين شريف سمور البالغ من العمر ثلاثة سنوات ,فقد كان قد أجرى قبل حوالي أكثر من عام عملية في القلب كمرحلة أولى في تركيا، على أن يعود ليجرى له الجزء الثاني من العملية بعد ستة أشهر، ولظروف إغلاق المعبر لم يتسنى لزين الخروج في الوقت المناسب.
زين أودع أمّه بكلمات وهو في الطائرة مسافراً للعلاج , "انا رايح عالجنة" ردته أمه مسرعة "إن شاء الله بعد عمر طويل يا روحي" وغيم الصمت على حوارهما الهادئ , لم تعلم الأم أن زين كانت الجنة قد جاءت إلى مخيلتها طوال رحلة السفر وهي وضعت في مخيلتها زي الطفل الصغير الذي سيكبر قريباً بعد عودته مشافى معافى من مرضه.
لظروف إغلاقات المعبر السيئة حاولت العائلة علاج زين في إسرائيل، إلا أن ضباط المخابرات الاسرائيلية ابتزوا الأم _وهي موظفة بوزارة الداخلية_ للتعاون والعمل معهم من أجل الموافقة على إعطائها تصريح دخول لها ولابنها، لكن الام بقيت ثابتة على مبادئها رغم صعوبة حالة طفلها الصغير , ورفض الأم كان مقدمة للخروج لتركيا بحثاً عن علاج طفلها .
زين سافر في الشهر الماضي إلى تركيا، وأجرى العملية متأخراً ، ولكن شاءت الأقدار أن تغادر روحه جسده الطاهر خارج البلاد بعد دخوله في غيبوبة طويلة ,كذلك بقي جسده مغترباً حتى فتحاً آخر للمعبر ليعود إليه بكفنه الأبيض.
لعنات الأطفال الراحلة أرواحهم إلى السماء وأولئك الذين يقطنون هنا منتظرين الفرج أو الموت تصل إلى كل من تواطأ لإغلاق المعبر والتشديد على كل مواطن يخرج أو يعود من وإلى وطنه المحاصر , فلن يفغر هؤلاء الأطفال لقاتلهم سواء كان فلسطينياً أو عربياً أو صاحب جنسية أخرى , لتبقى بوابة الأحلام للأحلام فقط بعيداً عن عين الحقيقة .

