تصاعدت في الآونة الأخيرة وتحديداً منذ استلام حكومة التوافق عملها مشكلة موظفي قطاع غزة الذين جرى تعيينهم في تموز/ يوليو 2007، حيث أن حكومة التوافق أسقطت غزة ومن فيها من حساباتاها.
وتتمثل المشكلة في صرف جزء محدود جداً من رواتب هؤلاء الموظفين بقيمة لا تزيد عن 40% فقط من قبل وزارة المالية بغزة والتي أسقطتها حكومة التوافق هي الأخرى من موازنتها التشغيلة على مدار عامين متتالين
وعلى الرغم من أن الموظفين على رأس عملهم، ويقومون بالمهام المنوطة بهم تهرّب ، وفي مختلف الظروف بما فيها الأوقات العصيبة إلا أنهم لا يتلقون رواتبهم، مما تسبب بأثار اقتصادية واجتماعية ونفسية جعلت حياتهم جحيماً، بسبب تتراكم الديون وعدم مقدرتهم على تحقيق أدنى احتياجاتهم اللازمة.
الموظف حسني سعود قال إنه يتقاضى راتب قيمته 1200 شيكل، لافتاً إلى أنه لا يستلم راتبه بالكامل لوجود خصم معاملة في البنك.
وتابع :" تحولت حياتي إلى جحيم لا يطاق بسبب مطالب البيت الكثيرة والتي لا أستطيع أن أوفر أدناها حتى بدأت بالاستدانة من القريب قبل البعيد، منهم من ساعدني والكثير من رفضوا، بسبب خوفهم من عدم سداد الديون لأنه لا يوجد لدي دخل أعتاش منه".
أما الموظف بلال جمعة فقال:" أتقاضى راتب بحد أدني 1200 شيكل ويوجد لدى العديد من إلتزامات الديون ويجب سدادها، ولا أستطيع لأن الراتب لا يكفي للسداد ولقضاء إلتزامات البيت".
وأضاف: "أعيش في إحراج كبير مع الناس وأصحاب المحال التجارية، هذا الأمر تسبب لي بمشاكل نفسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، حيث بت لا أحبذ الخروج ".
نتائج دراسة
مدير عام الإدارة العامة للتنمية والتخطيط بوزارة الشؤون الاجتماعية إعتماد الطرشاوي قالت إن وزارتها أجرت دراسة بعنوان " الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على أزمة صرف رواتب الموظفين الحكوميين بغزة" وذلك أعقاب الأزمة الخانقة التى لا يزال الموظفين يمرون بها إثر توقف رواتبهم بعد استلام حكومة التوافق عملها.
وأظهرت الدراسة حسب الطرشاوي أن هناك آثاراً خطيرة في المجالات النفسية والاقتصادية والاجتماعية على الترتيب حيث كان استجابات الموظفين المستطلعة آراؤهم أن الإثار النفسية شكلت 74%، في حين أن الآثار الاقتصادية بلغت 72% والأثار الاجتماعية 59%.
وشددت في حديثها أن هذه النتائج مؤشر خطير لإمكانية حدوث حالة خطيرة غير مسبوقة سواءً على الجهاز الحكومي الخدمي أو حتى في المجتمع نفسه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال استمرار هذا الوضع على حاله.
وأشارت " للرأي" أن العينة تم إختيار بشكل صدفي ، حيث تكون مجتمع الدراسة مما يقارب من 40 ألف موظف وموظفة حيث تم إختيار 308 موظف وموظفة من الشقين المدني والعسكري.
طالبت حكومة التوافق الالتزام بإنهاء ملف موظفي حكومة غزة السابقة وذلك وفق حلول عادلة لا تنقص من حقوقهم، مع ضروة دمجهم ضمن موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية, مطالبة الجميع بالعمل الفوري لتعويض الموظفين عن الضرر النفسي الذي لحق بهم نتيجة معانتاهم الطويلة.
ودعت حكومة التوافق إلى الإسراع في صرف رواتب موظفي غزة السابقة من تاريخ يونيو/2014، داعية وزارة المالية بغزة أن تزيد نسبة الدفعات على حساب الراتب بما لا يقل عن 50% على زيادة هذه النسبة بشكل تدريجي لمساعدة الموظفين على الخروج من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي الصعب الذي عكسته الدراسة.
كما طالبت الطرشاوي المؤسسات الحقوقية بالقيام بواجبها في الضغط على المجتمع الدولي لتذليل الصعوبات التي تقف حائلاً أمام تطبيق اتفاقيات المصالحة.
عدم الإيفاء بالوعود
أستاذ علم الاقتصاد في جامعة الأزهر معين رجب قال إن عدم انتظام صرف الرواتب لموظفي غزة انعكس سلباً على حياتهم حيث أنهم عجزوا عن الوفاء بالحدّ الأدنى من احتياجاتهم الضرورية كالغذاء، والكساء، والاستشفاء، والدواء، لافتاً إلى أن هذا العجز إمتد إلى الزوجة والأبناء والمقربين منهم وما ينشأ عن كل ذلك من تداعيات.
وأكد رجب في حديثه "للرأي" أن هؤلاء الموظفين أضحى لديهم عجز في سداد التزاماتهم المقترنة بمواعيد معينة ملزمة، سواء كانت هذه المديونيات تمثل أقساطاً للجهاز المصرفي، أو للمحال التجارية، أو مديونيات شخصية مع الأقارب أو الأصدقاء أو غيرهم. مع الاضطرار للاقتراض مجدداً من مصادر أخرى للوفاء بديون سابقة.
وأوضح إلى أن الموظف لجأ لسحب المدخرات في حالة وجودها أو بيع جزء من الثروات أو الممتلكات وبخسارة كبيرة، على الرغم من الاعتبارات النفسية المؤلمة في مثل هذه الحالات،لافتاً إلى أن البعض اضطر للبحث عن فرص عمل إضافية بعد دوامهم الرسمي في محاولة للوصول إلى أيّ مصدر من مصادر الرزق، في ظلّ ضآلة مثل هذه الفرص إن لم يكن انعدامها، وفي ظلّ معاناة نفسية شديدة.
واستطرد بالقول:" لا تنفصل التداعيات الاقتصادية عن التداعيات والآثار الاجتماعية والنفسية، فعلى ضوء استمرار أزمة موظفي حكومة غزة فإن موظفيها يعانون الكثير من التبعات الأخرى وهي عدم الشعور بالاستقرار الحياتي والأسري والوظيفي، والشعور بالعجز تجاه الآخرين من خلال عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية التي طال أمد عدم الوفاء بها، مع انعدام أي أفق يشير الى موعد انتهاء الأزمة".
وأضاف:" كما أن التداعيات امتدت إلى ضعف الثقة بالتنظيمات السياسية، والقوى الفصائلية من خلال الشعور بالخذلان الناشئ عن عجز هذه الجهات على حسم هذه المشكلة؛ مما يعني بداية لحدوث سقوط اجتماعي له امتدادات سلبية لا نهاية لها".

