بددت الثانوية العامة في صورتها الحالية طموح الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني، فمنهم من رغب بتخصصاتٍ جامعية معينة، طالما حلموا بها منذ الصغر وجعلوها هدفاً لهم في مستقبلهم، لكن ذاك الشيء ارتطم بمعدلٍ متدنٍ، أنهى طموحهم وأرغمهم على اختيار تخصصٍ لا يرغبون به.
"التوجيهي" يُشكل بصورته الحالية كابوساً يؤرق كُل عائلة فلسطينية، فكل مرتاد له يترقب بحذر لحظة الحسم لدرجةٍ تعب لأجلها وسهر الليالي، وبذل الغالي والنفيس لتحديد مستقبله، وبنائه كما رغب به منذ الصغر.
محمد رجب (17 عاماً) أحد طلاب الثانوية العامة للعام الحالي يتساءل "لماذا لم يُطبق نظام الثانوية العامة هذا العام؟؟ ربما يُنهي حالة الرغب التي نعيشها وحث والدينا على مواصلة الدراسة التي استنزفت قوانا جميعاً، بل ويمكن أن يشتت حالة الارباك التي أعيشها".
ويضيف في حديثه لـ"الرأي" والديَّ متأملين كثيراً، لكني أخاف أن أصدم نفسي وإياهم بمعدلٍ لا يؤهلني إلى ما أصبوا إليه، حيث إنني اخترت فرع العلمي للالتحاق بركب الدارسين في تخصص الهندسة المدنية التي أهلت نفسي لها منذ الصغر فهل سأصل إلى ما أصبوا إليه؟
نتيجة واحدة
سؤال الطالب رجب كغيره من الطلبة الملتحقين في كليات أخرى أ.د (17 عاماً) في جامعة الأقصى بغزة وجهه لـ"الرأي" وسط حالة أظهرت عليه عدم الرضى نتيجة لمعدله في "التوجيهي"، فيقول "أنا أدرس اللغة العربية، وخططت لنفسي أن ألتحق بكلية التجارية لمساعدة أهلي فهل حصل ذلك؟
ويُتابع "كُنت أتطلع للأفضل حيث رسمت لنفسي خطة منذ الصغر، وعودتَ نفسي كثيراً على المحاسبة حيث كُنت أقرأ عنها الكثير، وأحاول أن أستخدم عقلي للحساب وجمع الأرقام، وكان هدفي الارتقاء بنفسي ومساعدة أهلي".
ويبين ذاك الطالب أن الوضع الاقتصادي لأهله منعه أيضاً من الحصول على ذلك في دول الجوار، مضيفاً "طلبت من أهلي أن أدرس بمصر فقالوا لي: لا نقدر على ذلك، (..) لم أتوقف حينها سعيت، وأسعى للحصول على منحة دراسية لكن معدلي متدني لا يؤهلني لذلك -رغم أني أستحق-.
النظام الجديد
بدوره، بينَّ وكيل الوزارة التربية والتعليم في غزة د.زياد ثابت أن العام الدراسي الجديد سُيخفف على الطالب الفلسطيني سواء بالضفة وغزة، نافياً بذات الوقت الحديث الذي يدور حول أن تكون الثانوية العامة عبارة عن عاميين أو غير ذلك.
وأشار ثابت في حديث لـ"الرأي" إلى أن النظام الدراسي (المقترح) سيُقسم إلى دورتين أساسيتين ستُقدم خلالهما 8 مواد أساسية تطرح خلال عام واحد فقط، مبيناً أن الدورتين الأساسيتين ستُعقدان في شهر يونيو وأغسطس، يعقبهما دورة استكمال ستُعقد بشهر ديسمبر.
ولفت إلى أن الطالب سيُنهي التقدم لثمانية مواد مقررة أربعة منها إجبارية، وأخرى اختيارية، منوهاً إلى أن ستة مواد ستُرصد فقط بالشهادة، وأن المواد الأخرى لن تُرصد "لكن يجب النجاح فيها".
وأوضح أن هناك ملف يسمى "الانجاز للصف الحادي عشر، والثاني عشر" وهما سيرفقان بشهادة تقدير مع شهادة الثانوية العامة، مشدداً على أن التطبيق سيتم بشكل الكتروني حيث إن "الطالب سيدخل للامتحان ويقدم ويحصل على درجته إلكترونياً".
وحول فكرة التطوير، قال ثابت: "الملف عبارة عن مقترح قُدم من وزارة التربية والتعليم لمجلس الوزراء الفلسطيني وتم المصادقة عليه، حيث نوقش المقترح في وزارتي الضفة وغزة، وتم رفع ملاحظات من هنا وهناك، ويوجد لجنة تسمى الثانوية العامة، وهي من سيقرر بخصوصه".
وأضاف "من اقترح الموضوع قال أنه سُيطبق العام الجديد، وأن عينة من الطلبة المُنهية لاختبار الثانوية العامة لهذا العام سُتجري الاختبار على النموذج الجديد حيث سيتم إخضاعهم له عقب إنهائهم للاختبار الأصلي".
وحول مدى الانسجام بين الضفة وغزة بالقرار، عقبَّ ثابت على ذلك بوجود ملاحظات على آليات التطبيق تم إرسالها لبحثها والتوافق عليها، موضحاً أن الوزارة لا ترغب بالحديث أو تداول هذه الملاحظات إلى وسائل الإعلام لأنها أرسلت بشكل مهني للتوافق عليها.
وتابع "الملاحظات تأخذ كافة جوانب المقترح والتي منها المنهاج، وآليات التطبيق، وجوانب الحوسبة، وبناء الأسئلة، وتوزيع المواد الاجبارية، والأساسية، وننتظر مناقشة هذه الأمور بشكل جدي".
يذكر أن مجلس الوزراء كان قد قرر خلال مناقشته الثالثة لمشروع نظام امتحان الثانوية العامة الجديد "التوجيهي" الموافقة لوزارة التربية والتعليم العالي على الشروع بتنفيذ امتحان تجريبي على عينة محددة تختارها مع نهاية العام الدراسي الحالي.
اتفاق على التطبيق
وكان الوكيل المساعد لشؤون التخطيط والتطوير في وزارة التربية والتعليم بصري صالح بينَّ خلال لقاء نظمته مؤسسة عبد المحسن القطان برام الله مؤخراً، أن وزارته أكدت أن نظام الثانوية العامة الجديد لن يُطبق إلا بعد اتفاق بين الضفة وقطاع غزة بهذا الخصوص، ووسط إطار إجماع متخصص.
وبين أن الهدف من النظام هو تكاملية في التعليم، بحيث "لا يكون الصف الحادي عشر استراحة محارب للطلبة، على العكس، من المفروض أنْ يتمّ استثمار الصف الحادي عشر لتحضير الطالب وتعليمه وتثقيفه، ولهذا نرى أنّه من الأفضل أنْ يكون امتحان الثانوية العامة على سنتين".
وأشار إلى أن الصيغة الحالية لتركيبة المرحلة الثانوية من حيث المسارات والمناهج لا تساعد في إعادة صياغة التعليم لتحضير الطلبة الخريجين من المدارس لسوق العمل، أو الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي.
وتابع "نحن نسعى إلى نظام تعليمي وتربوي جديد يعمل على زيادة قدرة الفهم والتحليل والتفكير الناقد لدى الطلبة أثناء الثانوية العامة لتهيئتهم للجامعات وسوق العمل، وهذا يشمل أيضاً إعادة تقييم أدوات القياس والتقييم للطلبة، ألا وهي الامتحانات".
من الجدير ذكره، أن جمهورية مصر حاولت تطبيق نظام الثانوية العامة على نظام العامين لكن تم التراجع عن ذلك كونَّه وحسب ما صرحت به وسائل الإعلام المصرية كان مبنياً على طلب حزب النور المصري ذلك في البرلمان المصري، دون دراسة من قبل لجنةٍ أكاديمية أو تربوية تشرف عليه.

