أخبار » تقارير

عدلي منصور كيف حالكما؟!

26 آب / مارس 2016 02:13

عدلي عبيد ومنصور القرم .. تصوير: علاء السراج
عدلي عبيد ومنصور القرم .. تصوير: علاء السراج

غزة- الرأي –خضرة حمدان

يبدوان واحداً بل هما واحد، يسيران على مزدوج من الأقدام، يمين شمال، شمال يمين، خمسة أشهر فقط بنَت لعمر كامل ولحياة حلوُها ومرّها يتذوقان منها ذات المذاق.

"عدلي، لا منصور"، الحيرة هنا تبدأ، من منكما باليمين ومن باليسار؟ نحن روحاً لجسدين، إذن؟ تبدأ الضحكات فعدلي يهمس لمنصور ومنصور يرد بضحكة "حيرنا الناس يلا... لا حياة مع الملل".

جريحان كانا بأربعة أطراف وغدوا بثلاثة كليهما فقد ساقا وقدم، ولقدَر أراد جمعهما معاً فقد كان التبادل جذاباً، تارة يسير عدلي يساراً ليرى الرائي أنه بقدمين وتارة يسير منصور يميناً ليعتقد الرائي أنه بقدمين، إذن لا ضير من الإصابة والبتر اللذان تعرض لهما الشابان أبناء حي الشجاعية بغزة، فقد جمعتهما الإصابة أكثر من أن تفرقهما هموم الحياة، وباتا وجهان لروح واحدة.

من هما وكيف تبدو الحياة بلا طرف رابع؟ لا أبداً لا نشعر أننا غير كاملين، على القارئ أن يتوقع ذات الإجابة من شخصين يتفقان في كل شيء تقريباً.

" الإصابة بداية كانت مربكة كيف سنعيش، هل سنعود للمشي بالشارع أمام الناس بلا طرف رابع كيف سيتقبل الناس شكلنا، هل سنتمكن من حياة كانت سهلة للغاية ونحن لم نكن ندرك ونقدر نعم الله، ما شكل الحياة مع زوجة وأبناء؟ كيف نرتقي سلالم البيوت، كيف نتمتع بهواء يداعب الجفون ولا نشعر به على الأقدام".

تكبر الأسئلة بعد الاستيقاظ من الإصابة:" هل يمكننا أن نقود دراجة، كيف نستقل سيارة، من سيقبل جريح فقد ساقه ليعمل لديه؟

تتوقف الأسئلة برهة حين يوقن عدلي وبعده منصور أنها إرادة الله وأن النعم التي لا زالان يتمتعان بها تفوق ما فقداه.

عدلي ومنصور

الحقيقة ان عدلي ومنصور اثنان لا واحد، ولكنها صديقان ما قبل فقدان طرفهما الرابع وتوطدت علاقة الصداقة بينهما حين أصيبا بذات الإصابة.

فعدلي حسن عبيد هو الشاب ذو الخمسة وعشرون عاماً من حي الشجاعية بغزة كان يعمل بمحل أجهزة كهربائية وفي الثالث والعشرين من شباط /فبراير 2011 أصيب بعدة إصابات حين كان يهم بانتشال طفل من عائلة الحلو بالقرب من منزلهم كان يلعب مع مجموعة من أطفال العائلة، نقل حينها عدلي للمشفى كشهيد وتم إدخاله لثلاجة الموتى، وبعد ساعات خلال توديعه اكتشف والده انه لا زال على قيد الحياة، وانتقل عدة مرات بين العناية المركزة وبين أسرة المرض حتى قاوم الجسد الإصابات وعوفي تماماً عدا عن ساقه التي حاول تفقدها بالساق الأخرى وقيل له حينها أنها سبقته للجنة فأذعن لأمر الله.

أصبح منصور الصديق القديم الزائر الأكثر لعدلي وحاول مراراً التخفيف من هول صدمة صديقه وكان له ما أراد.

بعد خمسة أشهر حدث ذات الأمر مع الصديق منصور القرم 23 عاماً حين كان يزور بيت عزاء سيدة من حي النزاز، فأصيب أثناء مروره بصاروخ من طائرة إف 16 وكانت إصابته أشد خطورة من إصابة صديقه عدلي.

الجرح واحد

عدلي أصيب حينها بالقرب من عينه الشمال وشظية بيده وخاصرته وبتر ساقه الشمال من فوق الركبة بقليل وبعد قرابة عام استطاع السفر إلى الأردن وقام بتركيب طرف صناعي أصبح متسعاُ على ساقه بعد أن نحل جسده قليلاً في غزة حين عاد إليها بطلب من صديقه منصور الذي أصر على عودته للمشاركة في حفل زفافه.

أما منصور فكانت إصاباته بحجر دخل الجمجمة بفعل الانفجار الذي كان قوياً بجانبه، وبتر بالساق اليمنى من أعلى الفخد، وبتر لإصبعيه الإبهام وتشنجات مستمر بيده اليمين ولكنه يستمر في الأمل ويرفض الإذعان للإصابات التي قد تشل حركته بين وقت وآخر وتحدى إصابته وتزوج من شابة جميلة لا ينفك عن كيل المديح لها وهو على موعد قريب مع أول طفل له.

 الحذاء واحد

عدلي فقد ساقه الشمال ومنصور فقد الساق اليمنى ونظراً لأن قدميهما المتبقيتين هما الشمال واليمين بالتبادل مقاسهما واحد، فقد أوجد ذلك سبيلاً للفرح خاصة عند ابتياع حذاء جديد لا يكلف أحدهما سوى 25 شيقلاً ويدفع الآخر ذات المبلغ ويرتديان الحذاء ذاته في كل وقت.

الصلاة معاً، ترى قدمين لا أربعة، الدراجة معاً، أحدهما يقوم بتغيير السرعات والثاني بقودها، السير مسافات لا بأس بها أصبح عادة تخلق لهما بصمة في فضاء غزة.

الهم واحد

عدلي أحب فتاة لديها شقيق فقد ساقه أيضاً أثناء رفعه للعلم الفلسطيني في هبة القدس على السلك الإلكتروني أواخر العام الماضي، ونظراً للأمل الذي يملأ قلب عدلي فقد أوقع ذلك الفتاة في حبه وأكدت لذويها انها ستقبل بعدلي كي لا يرفض أحدا شقيقها حين يقرر الزواج.

قرر عدلي الزواج وتوقفت أحلامه فقد دفع كل ما يملك في تجهيز شقة لم تكتمل، ومثله منصور جهز غرفة خاصة به داخل منزل ذويه، كلاهما قاما بابتياع ملابس وفرت قناة الجزيرة ثمنهما لإجراء لقاء معهما، وهما يرتديان ذات الملابس في كل لقاء صحفي... هذا هو حال مصابي غزة، يفتقدون لأبسط مقومات الحياة، ويكفي أن منصور لا يمكنه تركيب طرف صناعي وعدلي لا يستطيع ارتداء الطرف الذي وفرته له القوات المسلحة الأردنية، فكيف بشعب لا يرتقي بمصابيه ولا يوفر لهم حياة كريمة؟

عدلي على موعد مع رفيقة العمر ولكنه بحاجة لدهان وتبليط شقته ولا يملك فلساً واحداً للاستمرار ويملأه يومه بالأمل وبالمحاولة وقد تمتد له يد الخير.. من يعلم؟

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟