اثنا عشر عاماً واثنتا عشرة ساعة، الأولى اكتشاف غاز بحر غزة والثانية كهرباء المدينة المظلمة يومياً، يُحرم قاطنوها بفعل فاعل وبنيّة كثيرين وبتنفيذ آخرين من التمتع بحياة كريمة وبمستوى معيشة لائق بتضحياتهم.
هل حقاً اقترب عام تصدير قطاع غزة للغاز، وهل حلم رئيس الوزراء رامي الحمد الله بتصدير السلطة للغاز في 2017م بات وشيكاً أم أنه ضرباً من الخيال؟
الصادم الإعلان مؤخراً عن توقيع اتفاقية بين صندوق الاستثمار الفلسطيني بصفته الوصي نيابة عن الشعب الفلسطيني على حقول الغاز الفلسطيني في سواحل قطاع غزة مع تجمع من شركات القطاع الخاص الكبرى منها صندوق الاستثمار الفلسطيني، وشركة (باديكو)، ومجموعة الاتصالات الفلسطينية، ومجموعة البنك العربي، وشركة اتحاد المقاولين (CCC)وآخرين لتوريد الغاز الفلسطيني في سواحل قطاع غزة إلى محطة جنين في شمال الضفة الفلسطينية.
الخبر نُشر بلا تفاصيل... وجاء في وقت ينشغل به الشارع الفلسطيني بآلاف القضايا الهامة ليس أقلها الانقسام الفلسطيني الذي يقسم البلد بلدين.
خبراء اقتصاديون تساءلوا عن تفاصيل الاتفاق، وآليته وقيمة العقد ومدته، وبالطبع عن مدى انتفاع قطاع غزة بالغاز، وفيما إذا شمل الاتفاق تفاصيل تذكر عن القطاع؟ وعن موعد التنفيذ، كثيرة هي التساؤلات المتعجبة من طريقة الاتفاق والتكتم الإعلامي حوله.
الخبير الاقتصادي عمر شعبان قال: "إنّ موارد فلسطين الطبيعية والبشرية هي من حق كل فلسطين بغض النظر عن موقع وجودها أو اكتشافها"، مؤكداً أن الحالة الفلسطينية تستوجب تعزيز الترابط الاقتصادي بين محافظات الوطن جميعا وتعزيز التبادل التجاري الثقافي بينها بما يساهم في تعزيز الشعور الوطني.
وشدد أبو شعبان لـ"الرأي" على أنّ توظيف الموارد الطبيعية في فلسطين لمصلحة شعبها واقتصادها هو محمود جدا لتقليل الاعتماد المتزايد على الدول المانحة وتعزيز السيادة الوطنية، لكن يجب أن يتم ذلك بشفافية تامة بما يحقق المصلحة العليا للمعظم الفلسطيني؛ "كما يتمنى".
ويعتقد شعبان أن تزويد جنين بالغاز الفلسطيني في البحر المتوسط خطوة إيجابية ووطنية جداً رغم الشك أن ذلك سيصب في صالح المواطن البسيط، مشيراً إلى أن نفع غزة من أولى الأولويات كونه يعاني منذ سنوات طويلة من كارثة انقطاع الكهرباء وتأثيراتها المدمرة على جميع جوانب الحياة حالياً ومستقبلاً وأنه من حقه أيضا أن يكون على سلم أولويات الحكومة.
وتساءل شعبان عن أهمية أن تكون الجهات المشرفة على العقد ممثلة بصندوق الاستثمار الفلسطيني والنظام السياسي برمته خاصة أن محطة التوليد التي شغلت عام 2000 قد تم تصميمها كي تتحول على الغاز الطبيعي لاحقا بدلا من البترول الصناعي المستورد من إسرائيل والذي يشكل شراؤه عبئا كبيرا على موازنة السلطة والمواطن كذلك فإن استخدام الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء كفيل بتخفيض تكلفة الكهرباء بشكل كبير.
من البداية
وحين شعر العالم الاقتصادي أن غزة تجلس بالقرب من مخزون غاز طبيعي ضخم بدأت المساومات حتى قامت السلطة الفلسطينية في العام 1999 بمنح عقد حصري لمدة 15 عاما لشركتي بريتش غاز البريطانية (BG ) وإتحاد المقاولين CCC للتنقيب عن الغاز في بحر غزة.
وكان أن بدأت عمليات البحث والتنقيب التي لم تستغرق طويلا ولم تتكلف كثيرا من قبل الشركتين المطورتين اكتشف في عــام 2000، حقلين في شواطئ غزة هما "حقل غــزة البحـري (Gaza Marine) ويقع كليا ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية قبالة مدينة غزة، يقدر المخزون المؤكد في هذا البئر بـ 28 مليار متر مكعب، وحقل غزة الحدودي والذي يقع ضمن المنطقة الحدودية البحرية بين قطاع غزة وإسرائيل ويقدر المخزون المؤكد فيه بـ ما يزيد عن 30 مليار متر مكعب وتقدر قيمته السوقية بما يزيد عن 6.5 مليار دولار.
وحسب الاتفاقات السابقة مع بريتش داز فإنّ نصيبها يبلغ 60% منه والإسرائيليون 30% والسلطة الفلسطينية فقط 10%.
عقد مجحف
وحسب الكثير من الآراء الدولية والمحلية فإنّ العقد الممنوح من قبل السلطة الفلسطينية لشركتي التطوير هو مجحف جدا بالجانب الفلسطيني ليس فقط بسبب حرمان الفلسطينيين من استغلاله حتى الآن، بل بسبب تواضع النسبة المخصصة للجانب الفلسطيني مقارنة بحصص الشركتين المطورتين، كان يمكن الاكتفاء بأحدهما بما سيرفع نسبة الجانب الفلسطيني، فقد أعطيت شركتي التطوير حق التنقيب والتسويق الحصري للغاز في حال اكتشافه.
وقد منحت هاتين الشركتين مجتمعة نسبة امتلاك إجمالية قدرها 60% لشركة بريتش غاز(BG) و%30 لشركة اتحاد المقاولين ( CCC) في حين خصص 10% فقط للجانب الفلسطيني.
وبالفعل أثار هذا العقد بعض الشبهات فيما يتعلق بالشفافية في منح العقد الحصري الذي تم دون مناقصة عامة والنسبة المتدنية التي خصصت للشعب الفلسطيني بما يؤشر على درجة عالية من المظلومية، واستثمرت الشركات المطورة لغاية الان ما يقارب من 100 مليون دولار في أعمال التنقيب ومن المتوقع أن يبلغ حجم الاستثمار الكلي 800 مليون دولار، في حين ستحصلان على عوائد تزيد عن 4 مليار دولار بما يجعل نسبة العائد على الاستثمار تزيد عن 45%.
شعبان الخبير الاقتصادي يشبه ما يجري بغاز غزة وأهلها بما يجري بنفط نيجيريا وأهلها بقوله: "ما أقرب غزة لنيجيريا رغم تباعد الجغرافيا، نيجيريا من أكبر مصدري النفط في العالم وهي من أكثر مناطق العالم فقرا، يموت مئات النيجيريون وهم يحاولون الحصول على بضعة لترات من نفطهم الذي يتدفق من بين عيونهم، ويعاني المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة من انقطاع الكهرباء والغاز في حين أن حقول الغاز في عرض المتوسط على مرأى منهم.

