كالعادة، يحاول الاحتلال الإسرائيلي تضييق الخناق على قطاع غزة بجملة قرارات، رغم ملامح الدمار الهائل الذي خلفه العدوان الهمجي الأخير على القطاع المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات متواصلة، فمرة يقرر إدخال مواد البناء لإعادة الإعمار، ومرة يوقف إدخالها بحجة وجود مواد كافية للبناء ومن بينها الإسمنت، وفي ظل ارتفاع سعر الاسمنت بالتزامن مع ارتفاع سعر الحديد يبقى المواطن الفلسطيني الذي دمر بيته وينتظر الاعمار هو المتألم الوحيد من تلك السمفونية التي لاتريد أن تتوقف.
ويأتي ارتفاع أسعار الحديد بعد أن رفعت شركة "سند" المستورد الوحيد للإسمنت في فلسطين سعر طن الإسمنت 20 شيكلًا، غير شاملة لضريبة القيمة المضافة 5 شواكل، حيث جاء الرفع من المورد "الإسرائيلي" شركة "نيشر"، قبل ثلاثة أشهر.
بانتظار دخول مواد البناء
ويقول المقاول أبو رمزي غبن: "إنّ ارتفاع سعر الحديد لا يؤثر بتاتا على طبيعة عملهم، لكن في حال توقف دخول مواد البناء وخاصة الإسمنت فإنّ العمل كله يتوقف"، موضحاً أنّ العمل في مجال البناء والإعمار يسير بشكل متقطع حسب توفر المواد الخاصة بالبناء.
ويشير في حديث للرأي، إلى أنه في حال إصرار الاحتلال الاسرائيلي على منع إدخال الاسمنت إلى قطاع غزة المحاصر فإنه سيحقق بذلك كارثة، تحديدا عقب مرحلة إعادة الإعمار التي يشهدها القطاع.
ويعد ارتفاع أسعار الاسمنت بـ 20 شيكل إضافية على كل طن، وارتفاع أسعار الحديد، عبئا يرهق كاهل المواطن الفلسطيني في غزة، لاسيما في ظل حاجة قطاع غزة الماسة لبناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية المدمرة بفعل العدوان الأخير.
وفي وقت سابق، كان طن الحديد يباع بـ 1800 شيكل قبل أن يرتفع سعره إلى 2150 شيكل، وسط مخاوف من أن يرتفع سعره إلى أكثر من 2255 شيكل للطن الواحد.
ويذهب الكثير من العمال العاطلين عن العمل إلى حيث يتواجد المقاولون بهدف البحث عن عمل يومي، لكن الرد بعدم وجود مواد الحديد يجعلهم يعودون بخفي حنين، الأمر الذي يجعلهم ينتظرون حتى تدخل مواد البناء بهدف البحث عن قوت يومهم.
كارثة تهدد غزة
ويؤكد د.عماد الباز وكيل مساعد بوزارة الاقتصاد الوطني بغزة، أن السبب في ارتفاع أسعار الحديد يعود إلى ارتفاع سعره عالميا وليس له علاقة بالحصار المفروض على قطاع غزة، نافيا أن يكون هناك احتكار أو مضاربات من قبل الموردين.
ويقول الباز في حديث خاص للرأي:" إن ارتفاع سعر الحديد مبرر كونه ارتفاع عالمي، لكن عدم إدخال الاسمنت للقطاع هو الغير مبرر"، موضحا أن الاحتلال الاسرائيلي يمنع إدخال الاسمنت إلى غزة بحجة أن هناك كميات كبيرة منه لدى المصانع بغزة، وهو مانفاه الباز جملة وتفصيلا.
ووفق ماذكره في حديثه أن كميات الاسمنت الموجودة في غزة تكاد تكون معدومة، محذرا من أنه في حال استمر الاحتلال في منع إدخال مواد البناء وخاصة الاسمنت فإن ذلك سيشكل كارثة حقيقية للقطاع الذي يشهد عملية إعمار نتيجة مادمرته "اسرائيل" بفعل عدوانها الأخير على غزة.
وحول حاجة قطاع غزة إلى الاسمنت، يشير الباز إلى أن القطاع يحتاج إلى أكثر من مليون ونصف طن من الاسمنت في الوقت الذي انتشر فيه بناء المنازل المدمرة في قطاع غزة.
مشاريع مهددة بالتوقف
وكان اتحاد الصناعات الإنشائية قد حذر في وقت سابق، من خطورة التداعيات المترتبة على مواصلة رفض الجانب الإسرائيلي تزويد مصانع الطوب في قطاع غزة بالإسمنت بذريعة توفر كميات كبيرة منه لدى أصحاب المصانع.
وتوقع المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات الإنشائية فريد زقوت، أن تواجه كافة مشاريع اعادة الإعمار أزمة حقيقية في غضون أقل من شهر مقبل إثر عدم توفر الطوب في سوق القطاع، وذلك جراء تعطل مصانع الطوب كافة، بعد أن منعت منذ نحو أربعين يوماً من الحصول على الاسمنت.
ويشير زقوت في تصريحات سابقة أن الجانب الاسرائيلي ادعى الشهر الماضي أن كمية الاسمنت المتوفرة لدى مصانع الطوب تقدر بنحو 17 ألف طن، وعندما تم فحص الأمر في حينه من قبل الجهات المختصة تبين أن الكمية المتوفرة لم تتجاوز 650 طناً، منوها أن الباقي تم استخدامه في انتاج الطوب لصالح مشاريع مختلفة حاصلة على موافقة اسرائيلية لتزويدها بالإسمنت، وأن هذه المشاريع تنفذ بموجب الآلية المعمول بها لإدخال مواد البناء.
ومنذ انتهاء العدوان على غزة، صيف عام 2014، عمد المسئولون الإسرائيليون للحديث عن تسهيلات يجري تنفيذها على معبر كرم أبو سالم، المنفذ التجاري الوحيد الذي يربط القطاع المحاصر مع العالم الخارجي، إلا أنّ الواقع يكذب تلك التسهيلات، ويؤكد أنّ المعبر ما زال يمثل الوجه الحقيقي للحصار.
وأغلق الاحتلال منذ أن فرض حصاره المشدد على غزة، منتصف عام 2007، المعابر التجارية الثلاثة التي كانت تمثل العصب الأساسي للاقتصاد المحلي، وأبقى على معبر كرم أبو سالم، الواقع أقصى جنوب شرق مدينة رفح.

