تتشابه مشاهد الموت والدمار التي خلفتها الحرب الأخيرة في غزة مع مشاهد الموت التي يندى لها جبين البشرية في سوريا الشقيقة وخاصة ماحدث من مجزرة حلب... وكغيره من المواطنين العاديين، يواجه الصحفي ظروفا نفسية صعبة خلال الحرب كونه انسانا له مشاعر وأحاسيس، لاسيما بسبب كثرة المشاهد المحزنة والمجازر التي شاهدها والبعد عن الأهل والخوف عليهم .
يقول الصحفي والمصور في وكالة رويترز فادي شناعة:" في بداية عملي الصحفي كنت محاط بكثير من المخاطر والصعوبات، حيث أن واقع غزة والصراع مع الاحتلال كان صعبا للغاية كون الصحفي فى أي لحظة معرض للانتهاك والقتل والملاحقة"، موضحا أن العمل الصحفي ليس مجرد مهنة، إنما هي أخلاق.
يبكي لأجل طفلة
ومن أصعب المواقف التى شكلت علامة فارقة فى حياة شناعة هو استشهاد ابن عمه فضل، فكان لذلك واقع الأثر، وهو يرى أنه رغم ذلك فلربما فضل سقط صريعا لتبقى رايتنا خفاقة لا تثنينا عن مواصلة درب الحقيقة لأن مهنة الصحافة هى مهنة المخاطر والمتاعب.
ويروي شناعة أهم المواقف الانسانية التى أثرت عليه وجعلته يبكي، وهو مشهد لطفلة فى مخيم جباليا عندما قصف الاحتلال المدرسة التى أمام منزلها، ولم تكن تعرف أن اباها قد استشهد فى تلك الغارة، ولكن عندما رأته سألته:" هل رأيت أبي ياعمو"..
يقول شناعة:" كانت الطفلة فى عمر الزهور، لم تكن تعرف حجم المصيبة التي حلت عليها، فبدأت أتهرب من سؤالها الى أن سقطت على الأرض، وبدأت أبكى فيما كانت تقول لي:" ياعمو بدى أبي بدي أبي".
صدمة ولكن؟
لم يكن هذا الموقف الوحيد الذي واجهه المصور شناعة خلال تأدية عمله الصحفي، حيث تعرض لصدمة عندما قصفت الطائرات الحربية الاسرائيلية مسجد البورنو فى حرب الفرقان، حيث تم قصف المسجد فيما كان يقف على مقربة من مستشفى الشفاء بغزة، حينها شعرت أننى أصبحت أشلاء ولم أتمكن من الحركة بتاتا بسبب رضوض في جسدي.
ويرى شناعة أنه يجب على كل صحفي أن يتحلى بصفات أخلاقية وقدرات عالية لأن يثبت جدارته في مكان عمله، فتجربته مع العمل الصحفي جعلته يشعر بقيمة الكاميرا كونها السلاح الذي لايمكن مجابهته، فالمحتل بات يدرك أن الصورة أقوى من أي وسيلة يمكن أن تصل للعالم دون قيود.
حالة اختناق
بدوره تحدث الصحفي عبد الله الفرا مراسل وكالة عين الإخبارية، عن أهم المواقف التي تأثر فيها خلال عمله الصحفي، والذي تمثل في استهداف منزل المواطن ابراهيم الفرا بخان يونس، حيث كان متواجدا في المكان وتعرض وقتها لحالة اختناق.
وقال الفرا للرأي:" في عام 2012 اذكر جيدا خلال وقفة تضامنية على الحدود الشرقية من محافظة خانيونس تعرضنا لإطلاق نار كثيف من جيش الاحتلال، وكدت أن أصاب بشظية مدفعية، وكان برفقتي الزميل الشهيد شادي مشعل، واضطررنا وقتها للهرب من المكان بسبب شدة القصف".
أما الصحفية ابتسام مهدي من صحيفة نبض الجريح فتتحدث عن أخطر موقف واجهته خلال عملها الصحفي عندما قام الطيران الحربي الاسرائيلي بقصف برج الظافر في الحرب الأخيرة على غزة، تسبب يومها في حدوث انهيار لديها، وشعرت في ذلك اليوم ببداية تدمير وحرق القطاع.
وتقول مهدي للرأي:" من المواقف الصعبة علي عندما تم قصف منزل عائلة أبو جامع واستشهد على أثرها 26 شخص تقريبا، كان الموت من كل مكان، شعرت بحجم الألم والصدمة لمن عاش منهم، كانت الدماء في كل مكان والجثث عددها كبير"، موضحة أنها قامت بإجراء المقابلة وهي تبكي، ومن ثم اتخذت زاوية في أروقة المستشفي لتوقف دموعها، ومن ثم استجمعت قواها مرة أخرى وأكملت اللقاءات وعادت للبيت لتنهار على باب المنزل.
سوريا جريحة
أما في سوريا فلا يختلف الأمر، حيث يروي الناشط الاعلامي طارق الضحيك من سوريا بلدة حمص الريف الشمالي، معاناته كصحفي خلال الحرب، فيقول:" إن أكثر المواقف الخطيرة التي واجهتها في تاريخ ٢٢/١٠/٢٠١٥، عندما كنت مع مجموعة من الأصدقاء الاعلاميين في وقت مبكر من الصباح وخاصة الساعة السادسة صباحا، بدأ الطيران الحربي الروسي بالتحليق فوق المدينة لمدة لاتتجاوز عشر دقائق ثم قام بقصف المدينة بثماني صواريخ غريبة من نوعها".
ويضيف للرأي:" استيقظنا بلهفة وشعرنا بخوف لم نشعر به من قبل منذ بداية الأحداث في سوريا وصعدنا الى السطح لكي نقوم بتصوير مكان التنفيذات القريبة جداً، وبعدها لم نشعر بشيء سوى أن الدخان الابيض التهمنا وكانت الصدمة عندما علمت باستشهاد أختي نور وطفليها في هجوم شرس بالصواريخ ".
هذا ولازال الصحفيون في غزة أو الضفة يعيشون ظروفا صعبة خلال تأديتهم لعملهم وواجبهم النبيل خاصة في نقل الحقيقة والصورة للعالم بسبب انتهاكات الاحتلال التي لاتريد أن تتوقف.

