بكاء وصراخ وعويل نساء وأطفال ومسنين واندهاش شبان لا يمتلكون حراكاً تجاه ما يرون أمام أعينهم من وجع لا نهاية ولا حسم له, السلطات المصرية وحدها من تحكم تلك القاعة الساخنة بمن فيها من حالات إنسانية مترامية على مقاعد الانتظار.
فبعد إغلاق متواصل دام 85 يوماً.. قررت السلطات المصرية فتح معبر رفح البري أمام حركة المواطنين الفلسطينيين في غزة، وذلك لمدة يومين متواصلين، في ظل ازدياد عدد الحالات الإنسانية والمرضية والتي فاقم من معاناتها الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من عشر سنوات متواصلة.
ويعتبر معبر رفح المعبر الوحيد والرئة التي يتنفس منها الشعب الفلسطيني في غزة، حيث يشكل اغلاقه أشهر طويلة وفتحه أيام قليلة هاجسا لدى المواطنين الغزيين الذين هم بحاجة ماسة للسفر سواء للعلاج أو الدراسة، وأصبح فتح تلك البوابة أهم مايعانيههؤلاء، وكون حل تلك الأزمة مدخلاً لإنهاء كافة الأزمات التي يعاني منها القطاع في ظل الانقسام المرير.
ثلاثين ألف حالة عاجلة بحاجة للسفر عبر تلك البوابة التي يطلق عليها الفلسطينون "البوابة السوادء" لصعوبة المرور عبرها في يومين يتيمين تمنحهما السلطات المصرية للفلسطنيين.
يومين يتيمين
ويصطف الثلاثيني محمد الطهراوي برفقة والده بين طوابير آلاف المنتظرين داخل القاعة المصرية ,ورغم أن حاجته تجبره للسفر عبر معبر رفح لإكمال رحلة علاجه من مرض السرطان في دولة مصر.
ولا يحمل الطهراوي في جعبته فيض من الأمل الذي يوقنه بأنه سيمر عبر تلك البوابة المزدحمة بمئات المرضى والجرحى والطلبة ,وأصحاب الحاجات الطارئة.
أما الفتاة المقبلة على الزواج بالخارج أيات البطنيجي والتي أيضاً تقف مندهشة بين جموع العابرين والمنتظرين ,والتي وصلت إلى تلك القاعة بعد مئات الإجراءات التي رتبتها لحجز مكان لها للسفر إلى دولة ماليزيا.
ما يزيد عن عام بأكمله وهي تتمنى لو تخطت تلك البوابة لتصل إلى شريك حياتها ,والذي يوقف تحديد موعد عرسه مع موعد فتح المعبر حتى تصل إليه زوجته البطنيجي.
قصص وحكايا لمغتربين وآخرين مواطنين يقفون كلهم أمام بوابة واحدة لا مخرج منها إلا نحو الأراضي المصرية ,الحشر يتجسد في وجوه المسافرين ,حيث الجوع إلى حرية ينالها المضطرين إلى تذوق طعمها.
وفتحت السلطات المصرية يوم أمس الأربعاء بوابة معبر رفح البري المنفذ الوحيد للمواطنين في قطاع غزة بشكل استثنائي، ولمدة يومين فقط، للمرة الثانية منذ بداية العام الجاري في كلا الاتجاهين، لسفر الحالات الإنسانية.
وفي ساعات الصباح الأولى انتظر آلاف الفلسطينيين العالقين في قطاع غزة من ذوي الحالات الإنسانية الماسة لقضاء حاجاتهم فرصة تمكنهم من السفر عبر معبر رفح البري الذي تغلقه السلطات المصرية لأيام وتفتحه جزئيا ولا تسمح خلالها بالسفر إلا لأعداد محدودة جدا.
وأوضحت هيئة المعابر أن السلطات المصرية فتحت معبر رفح البري بعد 85 يوماً من الإغلاق المتواصل أمام حركة المسافرين، حيث غادرت في اليوم الأول الحافلة الأولى التي تقل المسافرين من حملة الجوازات المصرية، إلى جانب سيارة إسعاف واحدة باتجاه الصالة المصرية.
30 ألف بحاجة للسفر
وقال الرائد محمد ناصر مدير العلاقات العامة والإعلام في الهيئة :" إن فتح المعبر لمدة يومين لايكفي لخروج كافة الحالات الانسانية في قطاع غزة وخاصة أصحاب الجوازات الاجنبية والاقامات والطلبة ومرضى التحويلات للخارج أيضا".
وأضاف في حديثه للرأي:" إن أكثر من 30 ألف مواطن بغزة يحتاجون للسفر عبر معبر رفح، ولكن اغلاق المعبر المتكرر والمتواصل من قبل السلطات المصرية حال دون سفرهم "، مؤكدا ان هيئة المعابر تتواصل مع الجانب المصري بشكل دائم بشأن منح تسهيلات للمواطنين الفلسطينيين بشأن السفر.
وكانت الهيئة قد أشارت في بيان لها إلى أنه تم اختيار أسماء المسافرين وفق الأسماء المسجلة في كشوفات وزارة الداخلية والتي يزيد عددهم عن 30 ألف مسافر، وتم وضع أسمائهم على موقع وزارة الداخلية لتسهيل عملية السفر على المواطنين.
وتضاعفت معاناة المسافرين الفلسطينيين في قطاع غزة من جرَّاء إغلاق معبر رفح الحدودي بشكلٍ كاملٍ باستثناء فتحه عدة مرات في فترات متفاوتة وبعيدة.
يشار إلى أن السلطات المصرية فتحت معبر رفح قبل "85" يوماً ولمدة ثلاثة أيام فقط استثنائياً لسفر أصحاب الحالات الإنسانية، تمكن خلالها "2439" مسافاً من مغادرة غزة، فيما تمكن "1122" مسافراً من الوصول للقطاع.
ويبقى قطاع غزة أداة تتلاعب فيها جهات خارجية وأخرى داخلية ,فلا يفتح المعبر إلا بأمر من السياسين ,ولن يتم الإفراج عن أحلام القطاع إلا بأمر من الساسة ذاتهم كما حكموا بإقامة حرب عدوانية ضد قطاع غزة عام 2008.

