لازالت مأساة المئات من العائلات التي دمرت منازلها خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة تكبر شيئا فشيئا، فلا هي حياتهم حياة.. ولا سكنهم داخل كرفان يفتقد إلى أدنى مقومات الحياة البشرية والراحة النفسية هو وسيلة للتخفيف من همهم، حتى وصلت معاناتهم حد التجمد بسبب عدم استجابة المسئولين لصوتهم الذي لطالما صرخ صرخة مدوية عادت اليهم دون رد.
لم تتوقف معاناة تلك العائلات على العيش في كرفانات خشبية أو حديدية مؤقتة تفتقد لكل وسائل الراحة، وإنما حاصرتهم المآسي من كل جانب، فإحدى الكرفانات قد يشتعل فيها حريق أو يتوفى أحد الأطفال نتيجة البرد أو تخترق حرارة الشمس الملتهبة سقف ذلك الكرفان وتلهب أجساد الصغير قبل الكبير.
وحادثة الطفل محمد المصري 7 سنوات هي أكبر دليل على مايعانيه أهالي الكرفانات، حيث لقي مصرعه جراء سقوط باب كرفان عليه في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة.
وتعد عائلة الطفل المصري من بين آلاف العوائل التي أصبحت دون مأوى، حيث دمر الاحتلال منزلهم خلال الحرب الأخيرة صيف العام الماضي على غزة، ليلجئوا مؤقتًا إلى تلك الكرفانات، ويحاربون وحدهم الظروف القاسية والمريرة.
عجز ولكن؟
وفي حديث له، قال ناجي سرحان وكيل وزارة الأشغال بغزة:" لدينا ضرر كلي بـ11 ألف وحدة سكنية ومتوفر تمويل 5103 دولار ولدينا عجز بنسبة 52% ،والتمويل المطلوب لسد العجز لبناء 5897 وحدة سكنية هو 265 مليون دولار".
وأكد سرحان خلال ندوة محلية عن حقوق النازحين وإعادة الاعمار، أن الوزارة تسعى الى توفير المنح بكافة الطرق، مبينا أن هنالك منحة جديدة من البنك الاسلامي تقدر بـ40 مليون، معربا عن أمله في أن تسد جزءا من العجز.
وحول ملف الكرفانات ومعاناة العائلات فيها، أوضح أن جهات دولية تقدمت للوزارة من أجل تقديم الخيم والكرفانات، معربا عن أسفه بأن السياسة تحكم وليس المختصين الفنيين هم الذين يتحكمون في ذلك.
وتعيش العائلات المتواجدة داخل الكرفانات وضعا اقتصاديا سيئا للغاية في ظل انعدام الدعم المقدم لها من قبل المسئولين والمؤسسات والجمعيات الأهلية، الأمر الذي يزيد من معاناتهم التي تفاقمت جراء الحرب على غزة.
والكرفان هو عبارة عن صندوق معدني مكون من صفائح "الزينكو" مقسم إلى حمام وغرفة فقط لا تتجاوز مساحته الـ 7 أمتار، تكون شديدة الحرارة صيفاً وشديدة البرودة في الشتاء.
924 عائلة مشردة
بدوره أكد حسن الوالي المنسق العام لرابطة النازحين والمهجرين الفلسطينيين، أن عدد العائلات التي تعيش في الكرفانات وصل لـ 924 عائلة حتى نهاية العام الماضي في كل من بيت حانون وخزاعة والزنة وجحر الديك وبعض المناطق بغزة.
وقال الوالي في حديث خاص للرأي:" إن ملف الكرفانات يحتاج لقرار سياسي وتضافر الجهود سواء من قبل وزارة الأشغال والأونروا أو undp والقيام بخطوات عملية مثل توفير بدل إيجارات للعائلات المنكوبة، مطالبا باتخاذ قرارات حاسمة وفورية لتفكيك الكرفانات و توفير بدائل أكثر كرامة وإنسانية للقاطنين فيها حتى إعادة إعمار بيوتهم المهدمة، ليمحى عن الجبين هذا العار برسم الموت " الكرفانات ".
موت اسمه كرفان
وحول وفاة الطفل المصري، أوضح أن الطفل نفسه نجا من عملية صعق بالكهرباء داخل الكرفان الذي يسكنه وعائلته، فيما نجا ابن عمه وأحد الجيران من حريق نشب في الكرفان الخاص بهم، إلى جانب الشعرو بحالة التجمد خاصة في حالة العواصف والمنخفضات.
وطالب الوالي في حديثه بإيجاد بديل عن الكرفانات، داعيا وزارة الأشغال لوضع معاناة هؤلاء على سلم الأولويات وتقدير معاناتهم الاجتماعية والمعيشية.
ووفق ماذكره فإن العائلات التي تسكن الكرفانات تقوم بعمليات صيانة داخلها وعلى حسابها الشخصي دون تدخلات من المسئولين، لافتا إلى أن الكرفان غير مهيأ للإيواء الدائم، حيث يعتبر شديد البرودة شتاء وحار صيفا .
ولا تتواءم تلك الكرفانات من خلال التصميم الهندسي حيث يتشرب الماء للداخل مما يحدث تماسا كهربائيا، وفي بعض الاحيان غرق تلك الكرفانات وانهيار هياكلها، ولا يتوقف الأمر هنا حيث أن السكن داخل الكرفان لايتفق مع القيم والثقافة الفلسطينية بسبب عدم وجود خصوصية للعائلات، أما في الجانب الصحي فتنتشر الأمراض الجلدية المتنوعة وأمراض لها علاقة بالسرطان.
جدير بالذكر أن الحرب الاسرائيلية على غزة في الصيف الماضي دمرت أكثر من ( 1120 ) وحدة سكنية، وأصبحت آلاف الأسر ممن شردوا داخل كرفانات من (الصفيح) وأخرى خشبية، وسط أوضاع صعبة جدًا.

