لم يكن والد الطفلة نور يعتقد أن ابنته التي رزق بها وكانت بمثابة فرحته الأولى سوف تغيب عن ناظريه في أقل من خمسة شهور عانت خلالها من عدة أمراض عجز الأطباء في غزة عن معرفتها، إلا من وجود ثقبين في القلب استدعيا تناولها لأكثر من ستة أنواع من الأدوية خاصة بالقلب.
لم تشفع طفولة نور البريئة لها، فقد أعياها المرض وأرهقتها الأدوية، وما بين وحدة العلاج بالخارج ومستشفى الرنتيسي ومستشفى المقاصد تم التنسيق لإخراجها للمقاصد عبر معبر بيت حانون، بسبب اغلاق معبر رفح.
وبعد تأجيل الموعد عدة مرات خرجت نور برفقة عمة والدتها كونها تتخطى الخمسين عاما، لكن المرض كان أقوى من أن يتحمل جسد الطفلة الصغير الأدوية المكثفة ولاقت ربها في وقت قصير لتفتح مرحلة من الوجع والألم على والديها.
مرض نادر
يقول والد الطفلة معتز محمد للرأي:" إن ابنتي منذ الولادة كانت غير طبيعية، وأجرينا لها فحوصات شاملة وتبين أنها تعاني تضخم في القلب وبعض المشاكل الأخرى التي لم يجد الأطباء لها سببا، ومن ثم تم تحويلها الى مشفى الرنتيسي ولكن الأطباء أيضا لم يتعرفوا على حقيقة مرضها باعتبارها حالة نادرة الحدوث في قطاع غزة".
لم تتوقف معاناة الطفلة نور مع المرض فقط، وإنما استمرت معاناتها أكثر من شهر ما بين المشافي دون أي نتيجة، حتى تم قبول حالتها في مشفى المقاصد بالقدس، ليحتار الأطباء هناك في مرضها وليضعوا التكهنات مرة بخلل في الجينات ومرة أخرى بوجود خلل في القلب والكبد.
رفض التحويل للعلاج
لم تكن حالة نور هي الوحيدة التي عانت بسبب تأخر التحويل للعلاج خارج قطاع غزة، حيث تشاركها المعاناة المواطنة هانيا أبو ضباع من مدينة رفح والتي تعاني من سرطان في الرحم منذ أكثر من شهرين وهو ما تطلب إجراء عملية جراحية سريعة لاستئصال الرحم بسبب تفاقم المرض وانتشاره بنسبة عالية في الرحم.
تقول هانيا للرأي: "إن الورم المنتشر في رحمها وصل لنسبة 40%، حيث ظهر انتفاخ واضح على منطقة البطن يصاحبه ارجاع من الفم، ومن ثم تلقت العلاج في مشفى الشفاء بغزة طوال خمسة أيام دون تحسن، وهو ما تطلب عملية استئصال للمعدة منعا لحدوث تسمم".
وتوضح أنه تم عمل تحويلة نموذج رقم واحد وإرسالها للضفة الغربية من أجل العلاج، لكنها قوبلت بالرفض، حيث قال الأطباء أنه من الأفضل تلقي العلاج في قطاع غزة كون الحالة المرضية لا تستدعي تحويلها للضفة!
محاولات كثيرة من قبل أشقاء هانيا باءت بالفشل الذريع من أجل الحصول على موافقة بالسفر لتلقي العلاج، لكن لم يتم الاستجابة لأي مناشدات من قبل وزارة الصحة في الضفة الغربية.
وتطالب أبو ضباع المسئولين في الضفة الغربية وقطاع غزة بالنظر إليها بعين الرحمة والرأفة لوضعها المأساوي الذي يتفاقم يوما بعد يوم، ومساعدتها في أقرب وقت ممكن للحصول على تحويلة لإكمال علاجها خارج قطاع غزة.
ألم وأمل
العشريني محمد سلامة هو أيضا أنهكه المرض بعدما فوجئ وهو في ريعان شبابه بإصابته بمرض فشل في الكبد، ألزمه المشفى فترة من الزمن، وعلى مدار عدة سنوات، تفشى المرض وازدادت قسوته، حتى وصل إلى مرحلة متقدمة، فقد معها قدرته على ممارسة حياته، أو الحركة بصورة طبيعية كأقرانه من الشباب.
ويكمن خلاص محمد الوحيد من المرض في إجراء عملية جراحية عاجلة لزراعة الكبد خارج غزة، لاسيما وأن المتبرع شقيقه، معربا عن أمله بأن يمنح تحويلة طبية عاجلة، وأن تساعده الظروف في السفر، ليصل إلى مستشفى متخصص لإجراء عمليات زراعة الكبد بنجاح لإنقاذ حياته.
وثمة مشكلتان يعاني منهما محمد، الأولى أن تكاليف العملية عالية جداً، والثانية أن معبر رفح لازال مغلقا أمام أهالي قطاع غزة!
وناشد سلامة وزارة الصحة بإصدار تحويلة مرضية تتكفل بالتكاليف المالية، وأن يتم مساعدته في اجتياز المعبر في أول مرة يفتح فيها، في حال حصل على التحويلة.
وتعيش عائلة محمد ظروف قاسية وصعبة، خاصة وأن أحد أشقائه معاق، ولم يعد والده يحتمل مصاريف العلاج، ولا يستطع أن يرى ابنه وهو يعاني كل يوم، لذلك فهو يطلق مناشدات لمساعدته في علاج ابنه.
18 ألف تحويلة
من جهته أكد الدكتور ماهر شامية مدير عام ديوان وزارة الصحة أن معايير حصول المريض عن تحويلة للعلاج في الخارج تكمن في أن الطبيب المعالج قد استكمل مع المريض العلاج في غزة، ولكن بعض العمليات الجراحية تحتاج تحويل المريض للمتابعة خارج غزة.
وقال شامية في حديث خاص للرأي:" إن الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة أثر كثيرا على طبيعة عملهم في دائرة التحويلات، حيث زادت التعقيدات"، مؤكدا أن التحويلات المرضية عام 2007 زادت ولكن بعد الانقسام تعقدت الأمور أكثر.
تعقيدات الانقسام
وطالب شامية في حديثه؛ وزارة الصحة في رام الله بضرورة الوصول الى بروتوكول موحد للتعامل مع الحالات المرضية التي تستوجب تحويلات خارج قطاع غزة، مشيرا إلى أن الانقسام أفقد نموذج التحويلة رقم واحد معايير الرقابة، وهو ما أدى لاحقا إلى تزايد الحالات المرضية والمبالغ المالية الطائلة.
وفيما يتعلق بدور وزارة الصحة للتخفيف عن كاهل المرضى الذين هم بحاجة ماسة للسفر من أجل العلاج، أضاف:" إن المريض الذي يحصل على تحويلة للعلاج في مصر، نقوم بتسجيل اسمه في وزارة الداخلية" ويدخل اسمه على الحاسوب وعند فتح المعبر نقوم بإرسال الأسماء وفق الكشوفات لدينا ومن ثم نقوم بتسهيل خروج الحالة المرضية إلى باص السفر"، مؤكدا أن الشخص الذي لا يتمكن من الخروج يتم دراسة أوراقه ومن ثم تحريك إسعاف خاص له دون أن تواجهه أي مشكلة.
ووفقا ما ذكره شامية فإن وزارة الصحة بغزة تبذل جهودا كبيرة وجبارة من أجل التخفيف عن كاهل المواطنين الراغبين بالسفر للعلاج خارج قطاع غزة، مطالبا بتنحية ملف التحويلات عن التجاذبات السياسية.
جدير بالذكر أن ملف العلاج في الخارج بدأ عام 2003 كضرورة لتحويل عدد من المرضى لتلقي العلاج خارج الأراضي الفلسطينية نظرا لعدم توفر بعض الامكانات الفنية واللوجستية في وزارة الصحة لعلاج حالات معينة، وعادة ما تصطدم تحويلات المرضى بعرقلة وزارة الصحة في رام الله التي تتعامل الحالات المرضية بانتقائية وبدون نظرة مهنية وموضوعية.

