لا شك أن قطاع التعليم في مدينة القدس المحتلة يعاني كما تعاني القدس الأم ، ففي الوقت الذي يسارع فيه الاحتلال الإسرائيلي بتهويد مدينة القدس من باطنها من خلال فحر الأنفاق وتغير للمعالم والتضييق على المصليين، يسعى الاحتلال من خلال مؤسساته بالسيطرة على التعليم في هذه المدينة.
الاحتلال الإسرائيلي قام بفرض المناهج التعليمية الإسرائيلية على المدارس الابتدائية العربية منذ عام 1968، وتبعاً لذلك تم استبدال كلمة فلسطين بكلمة إسرائيل والقدس بكلمة أورشليم.
كما وتقوم وزارة المعارف الإسرائيلية بتزوير حقائق التاريخ والجغرافيا من خلال وضع مناهج تعليمية للطلاب العرب في القدس، فمثل هذه المناهج تصف الإسلام مجرد تربية روحية وتاريخ الإسلام هو تاريخ فتن وكوارث.
الاحتلال فرض مؤخراً على مدينة القدس ما يسمى بعطلة الربيع على مدارس القدس بإلزام تلك المدارس تعطيل الصفوف الثانوية وهو ما سيؤدي إلى تأخير امتحانات طلبة "التوجيهي" ويؤثر على سير المسيرة التعليمية برمتها، وذلك في محاولة من الاحتلال لفرض سيطرته على شؤون التعليم والمدارس في مدينة القدس.
وزير التربية والتعليم صبري صيدم أكد أن الهجمة التي وصفها بـ "الشعواء" من قبل الاحتلال على التعليم في القدس، إنما هي نتاج الصمت الدولي والعالمي على ممارسات الاحتلال في المدينة.
وقال صيدم إن" الاحتلال يسعى بكل ما أوتي من قوة للسيطرة والتحكم في كل شيء يخص التعليم في المدينة، في محاولة واضحة لطمس الهوية الفلسطينية الأصيلة فيها وعزلها عن محيطها الفلسطيني؛ من خلال القوانين الجائرة وسعيه المتواصل لفرض منهاجه الدراسي على الطلبة الفلسطينيين لخلق جيل فلسطيني يجهل قضيته الوطنية".
وأشار إلى أنه سيتم وبالتنسيق مع كافة الجهات وعلى أعلى المستويات بحث إجراءات الاحتلال الظالمة بحق التعليم في المدينة لإبطالها، حمايةً للمسيرة التعليمية المقدسة، ومستقبل طلبة الثانوية العامة، والعمل على عقد امتحانات التوجيهي في موعدها بالقدس، بالتزامن مع كافة محافظات الوطن.
وجدد صيدم دعوته لكافة المؤسسات الدولية والحقوقية والإعلامية للوقوف وقفة جادة للجم الاحتلال وممارساته بحق التعليم في فلسطين، وخاصة بالقدس التي يتخذ الاحتلال فيها إجراءات تدمر التعليم وتحرم الفلسطينيين من حقهم المقدس في التعليم.
وأكد بذل كافة الجهود والغالي والنفيس لردع إجراءات الاحتلال هذه، داعيًا الأهالي وأولياء الأمور إلى العمل بقوة على إبطال وإفشال إجراءات الاحتلال العنصرية الرامية لتدمير المسيرة التعليمية في المدينة المقدسة.
وختم بالقول:" التزام المدارس الثانوية بهذه العطلة يعني أن انتهاء العام الدراسي سيكون في بداية تموز، وهو ما سيمنع طلبة الثانوية العامة من تقديم امتحاناتهم في مدارسهم، لانتظام الطلبة من الصفوف الأخرى فيها، ذلك وأن تقديم الامتحانات يتطلب أجواءً هادئة.
يشار إلى أن الأمر الواقع في جميع المدارس التابعة لبلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية تعطل "عطلة الربيع" خلال آذار من كل عام، باستثناء المدارس الثانوية في القدس، ليتمكن طلبة التوجيهي الذين يدرسون فيها من إنهاء المواد المقررة لتقديم الامتحانات حسب نظام التوجيهي الفلسطيني الجديد.
كما يتطلب توفير حوالي 150 قاعة، إضافةً إلى أن المعلمين المكلفين بالمراقبة على امتحانات التوجيهي لن يستطيعوا ترك صفوف التدريس الخاصة بهم، لمراقبة الامتحانات، وبذلك فإن الاحتلال يسعى للضغط على الطلبة وأهاليهم للقبول بامتحان "البجروت" الإسرائيلي وتطبيق تعليماتها بهذا الخصوص، دون أن تظهر تطبيق ذلك قسرًا.
تنقيح للمنهج
المتخصص في شؤون التعليم بالقدس حاتم خويص يقول إن الاحتلال الإسرائيلي عمل على تنقيح المنهاج الفلسطيني، بحجة ضعفه وضعف المستوى التعليمي في مدارس القدس، لذا كان لابد من إعطاء بديل عن هذا المنهاج، ألا وهو تدريس المنهاج الإسرائيلي".
ونوه خويص إلى أن الاحتلال يسعى إلى تشجيع بناء مدارس بالمدينة تُدرس هذا المنهاج، في مقابل عدم وجود أي تحرك سياسي فلسطيني يجابه تلك السياسة الإسرائيلية.
وانتقد دور السلطة الفلسطينية، وخاصة وزارة التربية والتعليم إزاء فرض هذا المنهاج بمدارس القدس، وعدم إيجاد الحلول المناسبة لمواجهة هذه السياسة الاحتلالية، محملًا إياهم المسؤولية عن ذلك.
وأكد أن ما يقوم به الاحتلال بحق قطاع التعليم في القدس يمثل جريمة كبرى وانتهاكاً صارخاً لكافة القوانين الدولية لما لهذا التدخل والتحكم من أبعاد خطيرة على واقع بنية المجتمع المقدسي والتأثير السلبي على وعي وتربية وفكر وسلوكيات أفراده سيما الناشئة منها.
تحويل المدارس
رئيس لجنة أولياء الأمور في المدارس التابعة للمعارف والبلدية، عبد الكريم لافي، إن "بلدية الاحتلال كانت قد حوّلت قبل أكثر من عام مدرسة شعفاط السهل الابتدائية إلى مدرسة إعدادية لتعليم المنهاج الإسرائيلي، وأجبرت الأهالي على تسجيل أبنائهم فيها بعد إغلاق إحدى المدارس المقدسية".
وبين أن بلدية الاحتلال فتحت قسماً كاملاً لتدريس المنهاج الإسرائيلي في مدرسة ابن خلدون في حيّ بيت حنينا، وواصلت تدريس هذا المنهاج في مدارس صور باهر للذكور وابن رشد".
وأكد على أن بلدية الاحتلال أدخلت نظام "البجروت" المطبق في مدارسها للمرحلة الثانوية، "إلى بعض مدارس المدينة المقدسة عبر المراكز والكليات التي أنشأتها على مدى الأعوام القليلة الماضية، بالإضافة إلى شطب وإلغاء كل ما هو وطني من جميع الكتب المدرسية.
ويتهم لافي سلطات الاحتلال بأنها "تعمل وفق استراتيجية تقوم على إحلال الفكر الإسرائيلي والسيطرة على الوعي الفلسطيني، وطمس الهوية العربية الإسلامية والمسيحية لمدينة القدس"، مشيراً إلى خطوات أخرى بدأت بفرضها منذ عامَين حين حرّفت المنهاج الفلسطيني وألغت فقرات ودروساً عديدة من مواد دراسية مختلفة.
معيقات
الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات حنا عيسى ،قال إن "التعليم في مدينة القدس المحتلة يمثل هدفاً رئيساً لسلطات الاحتلال الإسرائيلية لتدميره وإضعافه.
وشدد عيسى أن التعليم يعاني من سياسات الاحتلال كغيره من القطاعات، حيث الآلاف من الطلاب دون مقاعد دراسية، والعديد من المدارس تفتقر لأدني المقومات والأساسيات من معلمين وقرطاسية وخدمات، ناهيك عن تهويد المناهج الدراسية وتحريفها، إضافة لوضع معيقات أمام عملية بناء المدارس وترميمها".
وأضاف بالقول، "من أبرز معيقات التعليم وتطوره في القدس المحتلة هو افتقار المدينة لمرجعية موحدة لإدارة العملية التربوية، فمن جهة تفرض سلطات الاحتلال نفسها من خلال مدارس المعارف والبلدية ومن خلال التضييقات المختلفة التي تمارسها على المدارس الأخرى، ومن خلال ضمها شرقي القدس إدارياً إلى دولة الاحتلال، ومن جهة ثانية، تعتبر السلطة الفلسطينية شرقي القدس جزءاً إدارياً من الضفة الغربية، ولكن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية لا تدير فعلياً إلا مدارس الأوقاف".
ولفت عيسى، "يعتبر عدم وجود مصادر تمويلية ثابتة ومستقرة وميزانيات كافية ومستمرة تغطي احتياجات القطاع التعليمي من مشاكل التعليم الاساسية في القدس المحتلة، ومن أبرز نتائج هذه المشكلة هو النقص في عدد المدارس وعدم كفايتها لأعداد الطلاب المتزايدة، وعدم صيانة أو توسيع القائم فيها، مما أدى الى استئجار مبان غير مؤهلة، وحاويات وأبنية متنقلة وملاجئ ومخازن وممرات، واستخدامها أماكن للدراسة تفتقر للحد الأدنى من الظروف الصحية والتصميمية والمرافق التعليمية المناسبة".
يذكر أن حوالي 18 مدرسة ثانوية في مدينة القدس يدرس فيها حوالي 2000-2500 من طلبة الثانوية العامة تتبع لبلدية الاحتلال ووزارة المعارف، كما أن هناك 70 مدرسة تتبع البلدية يدرس فيها حوالي 70 ألف طالب، بما نسبته 40% من طلبة المدارس في المدينة، والبالغ إجمالي عددهم ما بين 110- 120 ألف.

