كانت حياة العائلة تسير على ما يرام، كان الحب والود والرضى ينبض داخلها، فكان الشقيق بمثابة الصديق الودود لشقيقته، فيما كان الأب بمثابة الحضن الدافئ لجميع أفراد العائلة، وفي يوم من الأيام قرر ذلك الأب أن يقوم بتقسيم الميراث على أبنائه وشقيقاتهم وأغلبهن متزوجات.
نعم كثيرة ومال وفير كان بين يدي ذلك الأب، فهو يمتلك عقارات عديدة وصاحب تجارة رائجة ولديه من المال ما يجعله يشعر بالسعادة التي حرم مها الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم.
اتخذ الوالد قرار منح أبنائه حصتهم في أمواله التي لا تعد ولا تحصى، لكنه لم ينصف بناته مثلما أنصف أولاده، فقد منح كل واحدة منهن شقة سكنية فقط، واكتفى بتوزيع الأراضي وكافة ممتلكاته التي بحوزته لصالح الأبناء الذكور فقط.
لم يهتم الوالد عقب اتخاذ قراره الظالم والعنصري بحق بناته، فقد شعرت الشقيقات بمدى التفرقة والتمييز بينهن وبين الأشقاء كونهم ذكور، وعندما فكرن في معاتبة والدهن، رد عليهن بالحرف الواحد" بدكن أزواجكن الغرباء يتمتعوا بأموال أبوكن".
تلك الجملة الصادرة من لسان والدهن جعلتهن يشعرن بالصدمة والمفاجأة غير المتوقعة منه كونه معروف لديهن بحنيته وحبه الشديدين لهن، في وقت اكتفى الاخوة الذكور بالصمت تجاه قرار والدهم وكأنهم بذلك يوافقونه الرأي، الأمر الذي جعل بينهم وبين شقيقاتهم حواجز فولاذية صنعها والدهم دون أن يدرك عواقب حرمان بناته من حقهن الكامل.
هذه القصة تعيد إلى الأذهان قضية التمييز بين الأبناء في توزيع الميراث بحجة عدم ذهاب ما يتم توريثه للبنت إلى الغرباء، حيث يغفل الكثير من الأهالي أن العدل والمساواة هما سبب نشأة الأبناء بشكل سليم، اجتماعياً ونفسياً، وهي من أسباب قوة الأسرة والمجتمع.
يورث الحقد والكراهية
يقول الأخصائي النفسي والاجتماعي زهير ملاخة:" إن من صور الظلم الاجتماعي ظلم الميراث، هذا الظلم يدفع إلى تحقير الفتاة وتقديم الذكر على الأنثى، ويدفع بتضييع حقوق الابنة من أجل عادات وأفكار قائمة على التعصب العائلي والبعد الديني".
ويضيف ملاخة في حديث للرأي:" إن هذا من شأنه نشر الغل والحقد في قلوب الأبناء، لأن هذا التمييز وإهدار الحقوق يعود أولا لغياب البعد الديني والإيماني في الشخصية، وتكون أسيرة لأفكار وعادات قائمة على التعصب وحب الذات وإنكار الغرباء، ومن ضمن ذلك عدم توريث الابنة حتى لا يخرج الإرث للأزواج الغرباء".
ووفق ما ذكره في حديثه فإن هذه السلوكيات تولد مشاعر النقمة والكراهية، وتفقد العائلة سعادتها وتشغلها في صراعات ونزاعات وتمضي وقتها في التفكير في كيفيه السيطرة وعدم اعطاء الحقوق والتفكير بلغة الاستقواء والانتقام وغيرها من الأفكار السلبية.
وأمام ذلك التمييز في المعاملة بين الإناث والذكور، نجد أن أمام ذلك يوجد أصناف وأنواع من المقاومة أو الاستجابة تتمثل في استسلام سلبي قائم على تفويض الأمر لله مع بقاء الأسى والحسرة والظلم قائما في القلب ومعالم الحياة عند البنات، أو نجد الالتجاء للمحاكم ونزاعات الملكية، وهذا من شأنه تفتيت شمل العائلة ومزيد من الكراهية والحقد والصراعات، على حد تعبير ملاخة.
ويؤكد الأخصائي الاجتماعي أن الكثير من الأهالي وخاصة الآباء يضطرون إلى عدم اقتران بناتهم بأزواج غرباء خوفا من أن يذهب ما ترثه تلك الفتاة لزوجها مستقبلا، فيمتنع عن تزويجها سوى للأقارب، أو يضطر للحصول على تنازل الابنة عن حقوقها مقابل زواجها، وبالتالي هو ظلم وجهل وشقاء يمارسه البعض ضد الأبناء أو لمن له حق في الميراث ينتج عنه قطيعة ونقمة وحقد ورغبه بالانتقام وربما يكون دافع لارتكاب جريمة وهذا ما يسمى الجريمة النفسية.
تفكير رجعي
من جهته يقول مدير دائرة الافتاء في الجامعة الاسلامية بغزة، د.ماهر السوسي، أنه يجوز للوالد أن يعطي أولاده من ممتلكاته وهو في حياته شرط ألا يقوم بالتفرقة والتمييز أو المفاضلة بينهم سواء كانوا ذكورا أو إناث .
ويؤكد السوسي في حديث خاص للرأي، أنه بالرغم من ذلك فإن الشرع لا يفضل أن يقوم الأب بتقسيم ميراثه وهو لا يزال على قيد الحياة، لأنه تبين أن مثل هذه القصص تسببت في مشاكل كثيرة بين الإخوة ليس لها أول من آخر.
ووفق ما ذكره في حديثه فإن حرمان البنات من الميراث عصيان لإرادة الله، وهو تفكير رجعي للمجتمع وبحاجة إلى إعادة تغيير وتصحيح للكثير من المعتقدات والمفاهيم، موضحا أن الوالد يحرم بناته من الميراث أو لا يمنحهن كل حقهم خوفا من أن تذهب أملاكهن لأزواجهن.
وفي هذا الصدد يبين أن الأب وضع أمانة عندما قام بتزويج ابنته لرجل غريب، فكيف لا يؤَمن على أملاكها لديه، مشيرا إلى أن هذه موروثات خاطئة قديمة تدل على جهل الناس في الحياة وطبيعة العلاقات الاجتماعية وتؤدي لقطع صلة الرحم، وأن الشرع حاول قدر الامكان العمل على إيجاد علاقات ايجابية في المعاملة بين الناس وتماسك المجتمع .

