في أحلك الأوقات وأكثرها صعوبة وأعقدها مرحلة، يمر المواطن الفلسطيني بعدة من الأزمات التي طحنت أساسيات الحياة وأخفت في كواليسها ملامح الحياة الباهتة المخيفة كعنوان لمرحلة جارية، بين عام منصرم وآخر جديد يتجلى الفقر تحت خطوطه الحمراء الخطرة وتتخلى برفقته حكومة الوفاق الوطني عن أداء مسؤولياتها وواجبتها تجاه قطاع غزة.
في ظل واقع التخلي الواضح وتفشي الفقر في البيوت، يتصدر المشهد الفلسطيني لحمّة مبهجة للمواطنين في قطاع غزة، في سبيل إنقاذ الوضع العام للوصول إلى شواطئ النجاة بالأسر والعوائل التي نكبت بفعل السياسة وضعها، كلٌ بما يستطيع.
من مواطن عادي بسيط إلى آخر يوازيه في المكانة الاجتماعية، لا يتسم بالغنى ولكنه ميسور الحال، يقطن أزقة المخيم كغيره من الناس، يربح ويخسر ويحمل أرقاماً لا بأس بها من الديون المستحقة له من الناس.
التاجر البسيط أسامة أبو دلال صاحب معرض الأحذية الذي يتوسط مخيم النصيرات، فجّر بداخله مشاعر التكافل، وأعلن في خطوة متقدمة عن الإعفاء الكامل للديون المستحقة له، وفي خطوة ليست بالبسيطة أغلق دفاتر الديون التي من المفترض أن يتلقى مبالغها تباعاً من الناس والتجار والأصدقاء والمعارف.
"الرأي" تحدثت إلى التاجر أبو دلال، والذي أبلغها عن ارتياحه التام وسعادته الغامرة بعد أن أقدم على خطوته خائفاً متردداً لإغلاق دفتر كبير من الديون، والتي تحمل رقماً كبيراً موزعا على أربع فئات.
"الديون موزعة بين زبائن اشتروا أحذية لهم ولعوائلهم وأطفالهم بالتقسيط، وديون أخرى تخص أصحاب المحلات التجارية لبيع المفرق منها، وفئة الموظفين الذي يسدون الأقساط بحسب تقاضي رواتبهم، وفئة أخيرة تخص الاهل والمعارف والأصحاب" ، ووصف أبو دلال أن الديون حينما بدأ بإحصائها على المسودة الخاصة وجد أنها باهظة وكبيرة جداً ، إلا أن ذلك لم يمنعه من المبادرة من الإعلان عن نيته في المسامحة.
أجرى التاجر أبو دلال استشارات بين أصحابه وأهله، فلم يشجعوه على الإعلان عن نيته ريثما يجمّع بعضا من ديونه ليقف على قدميه كما نصحوه، إلا أنه لم يتردد في إكمال خطوته من باب التخفيف والمساعدة في تفريج صعوبات الحياة المنهارة في غزة.
وقال أبو دلال لـ"الرأي" بأن هناك من الناس لم تعرف عن إعفائي، وجاءت لتسديد دينها إلا أنني رفضت وأخبرتهم بمسامحتي مراعاة لأوضاعهم الصعبة جميعا، منوهاً إلى أن دفتر الديون فُتح من جديد لمن لا يستطيع الدفع كاملاً.
وكبادرة شكر مقابل ما أقدم عليه المواطن والتاجر أسامة أبو دلال، أقدمت البلدية على تصفير حساب أبو دلال من ترخيص الحرفة وأعفته من الدفع للبلدية مقابل خدمات النظافة السابق وللعام الجديد، مرفقة شكرها له على مبادرته الطيبة.
واستشهد التاجر أبو دلال بالحديث النبوي :"ما نقص مال من صدقة"، مطالباً حكومة التوافق بالوقوف عند مسؤولياتها ورحمة المواطن الفلسطيني.
سامح تؤجر
المبادرة الشخصية أنتجت حملة كبيرة عمّت أرجاء القطاع، وتبناها مواطنون عاديون من أصحاب المحلات البسيطة والمهن الغير مربحة، إلا أن دافع الخير تولد داخل كل إنسان شعر بغيرته تجاه غيره.
أدهم ابو سلمية صاحب الحملة التي بدأت بعنوان سامح تؤجر بعد مبادرة أبو دلال وعفوه التام عن الديون، قال هذه المبادرة وجدت تفاعل وصدى كبير في الشارع الفلسطيني بالنظر للظروف الانسانية الصعبة التي يعاني منها القطاع.
وقال أبو سلمية، بدأ الناس بالتفاعل العفوي معها كل في مكان عمله وبقدر استطاعته، بعدها مباشرة اعلن الحاج ابراهيم ابو سلمية صاحب سوبر ماركت كبير في دير البلح أيضاً الاعفاء عن كل اصحاب الديون من العاطلين عن العمل والاسر المستورة وهو ما عزز حضور الحملة فدخل على الخط اشخاص عاديين وأطباء واصحاب محال تجارية ومحامين.
مشيراً إلى أن هذا التفاعل الكبير دليل على حجم التكافل والترابط الاجتماعي في غزة، وأيضا هو دليل على مدى رغبة الناس في التخفيف من معاناة بعضهم البعض.
تيمناً بالمبادرة الشخصية الأولى احتذى عشرات التجار بذات الحملة، وبادر العديد من الشباب، حتى أسعار الحلاقة في بعض الأماكن أضحت بأسعار رمزية.
هذا ما أقدم عليه سكان القطاع، من مبادرة جماعية لعدم تهتك مزيداً من ملامح الحياة الغزية، ولستر حوائج الناس، وتعويضا عن دور الحكومة الغائب تماماً عن الأزمات وحلها.

