في وقت تعتصر فيه الأزمات وتشتد حدتها ما بين أوضاع اقتصادية متدنية وأوضاع إنسانية قاسية وصحية متدهورة وأوضاع سياسية وعامة ضحلة في أشد المراحل صعوبة، والتي يمر بها قطاع غزة ومليوني مواطن صُنف 60% منه تحت خط الفقر المدقع مطلع العام الجديد.
وفي تطور خطير في واقع الأزمات، حيث يزيد تهديد إدارة الأمم المتحدة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين بالتزام تعليم المنهاج الفلسطيني الأوضاع سوء، ما يضعف احتمالية بقائها واستمرار مؤسساتها التي تدعم فئة اللاجئين.
واشترطت الإدارة الأمريكية على وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" تغيير المنهاج الفلسطيني الذي يتناول قضايا العودة وتاريخ فلسطين، حيث يتبنى القضية الفلسطينية بأكملها على أنها تاريخ الأجيال القادمة، وذلك مقابل الدعم المادي الذي تستند عليه مؤسسات الـUN" ".
كما أضافت الإدارة الأمريكية شرط الحيادية عبر إلغاء الأنشطة والفعاليات المتعلقة بمناسبات خاصة بالقضية الفلسطينية، مثل وعد بلفور و"النكبة" والعدوان الإسرائيلي العام 1967 وغيرها، وعدم التعاطي مع أي نشاط سياسي يخص القضية الفلسطينية.
القرار الصادر عن الإدارة الأمريكية جاء تابعاً لقرار إعلان الرئيس الأمريكي القدس عاصمة لدولة "إسرائيل"، ما يتنافى مع ما يدرس في المجال التعليمي الذي تعمل في حقله وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين.
ابتزاز سياسي
ولا يقتصر عمل وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين على فتح مدارس تابعة لها، بل يمتد إلى المجال الصحي والاجتماعي والإنساني الذي يتمثل بمساعدة الأسر اللاجئة بـ "مونة" دورية بدأت تتقلص خلال السنوات الأخيرة، وتمنح لأشد الحالات الاقتصادية صعوبة.
"كيس طحين، وبضع أكياس من الحليب، وعدد قليل من عبوات الزيت النباتي وكيس من السكر والحبوب.." هذه الأكياس التي تمنحها وكالة الغوث لأشد الأسر اللاجئة احتياجاً وأكثرها فقراً، بعد تقليص أحجامها وعدد متلقيها من العائلات والأسر المستورة.
وعلى رغم من ذلك إلا أن بعض الأسر تعتبرها أساساً في تمويل البيت ومنحه شيئا من الحياة الاعتيادية، لعدم استطاعتهم الحصول على قوت أطفالهم، إذا لا تستطيع بعض الأسر أن تسير حياتها دون الحصول على "الكابونة".
من جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم "أونروا" سامي مشعشع، إن "الإدارة الأميركية صرحت بأن استمرار تبرعها للوكالة منوط بإصلاحات تتوقعها من الأونروا، كما حددت رغبتها بصرف تبرعاتها بدون إقليمي لبنان وسورية".
وأضاف، "أن سبب تخصيص الولايات المتحدة تخفيض تبرعاتها للأراضي المحتلة والأردن واستثناء سورية ولبنان منها قد تستطيع الإدارة الأميركية نفسها الإجابة عليه، حيث إن "الأونروا" ما تزال في مرحلة استيعاب تقليص المساعدات الأميركية المقدمة للوكالة".
وأوضح، أن "أونروا" تواجه تحديات هائلة في الأسابيع والأشهر المقبلة"، مفيدًا أن الولايات المتحدة قدمت للوكالة تبرعات بمبلغ إجمالي مقداره 350 مليون دولار في العام 2017، بينما تسلمت أونروا منها الآن نحو 60 مليون دولار فقط من هذا المبلغ.
وأكد "التزام الأونروا بالمحافظة على الخدمات التعليمية والصحية والإغاثة الاجتماعية، المقدمة لأكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني، في أقاليم عملياتها الخمس، منهم زهاء 2 مليون لاجئ فلسطيني في الأردن بنسبة 42 % تقريباً مسجلين لدى الوكالة".
ولم يقتصر التقليص الأمريكي على المساعدة المالية فقط، إذ شمل تعليق 45 مليون$ من المساعدات الغذائية التي كانت قد تعهدت بتقديمها للأونروا خلال الشهر الماضي.
وفي أعقاب التقليصات الأمريكية، حذر اتحاد الموظفين العرب في "الأونروا" من تداعيات بالغة الخطورة، قد تطال حقوق الموظفين واللاجئين سوياً، نتيجة عدم توفر التمويل اللازم والذي يشكل عبئاً كبيراً على الوكالة، التي تعاني في الأساس عجزاً مالياً في موازنتها بلغ العام الماضي 146 مليون$.
وقالت آمال البطش نائب رئيس اتحاد موظفي "الأونروا": "إن الولايات المتحدة و(إسرائيل) يزجان بالأونروا في الحالة السياسية ويستخدموها كورقة ابتزاز للفلسطينيين من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات وفرض الإملاءات عليهم"، مشددة على رفض الاتحاد واللاجئين الربط بين الأونروا والحالة السياسية القائمة في المنطقة.
مواجهة القرار
وفي أعقاب مواجهة القرار الأمريكي، أطلقت "الأونروا" الاثنين الماضي، حملة عالمية من قطاع غزة بعنوان (الكرامة لا تقدر بثمن)، لاستقطاب دعم مالي للوكالة.
وعن الخيارات التي ستلجأ إليها الأونروا، قال عدنان أبو حسنة المتحدث باسم الوكالة في قطاع غزة: "إن الأونروا وضعت خططاً لمواجهة الأزمة الراهنة التي فجرها القرار الأمريكي بتقليص المساعدات المالية والغذائية عنها".
وأوضح أبو حسنة، أن حملة "الكرامة لا تقدر بثمن"، تمثل أولى الخيارات العملية، لسد العجز المالي الذي أحدثه القرار الأمريكي الأخير، مبيناً أن الوكالة ستتوجه إلى كل أقطاب العالم للتبرع للاجئين الفلسطينيين.
وأكد أن الوكالة لم تتخذ أي قرارات لتقليص خدماتها في المخيمات الفلسطينية سواء كانت صحية أو تعليمية أو غيرها، وستبقي على مرافقها مفتوحة وتعمل بشكلها الطبيعي دون إغلاق، على الرغم من الضائقة المالية الكبيرة التي تشهدها.
وأبدى المتحدث باسم الأونروا تفاؤله بنتائج الحملة التي أطلقت من قطاع غزة، ونجاحها في سد العجز المالي للوكالة، داعياً جميع أحرار العالم إلى التبرع والمساهمة في إنقاذ قضية اللاجئين التي تتعرض لهجوم إسرائيلي غير مسبوق.

