يسعى الاحتلال الإسرائيلي، وأجهزته الأمنية، وبمساعدةٍ من أعوانه، على نشرِ الإشاعاتِ وبث الأكاذيب، في صفوف الشعب الفلسطيني في غزة، ضمن الحرب النفسية التي يشنها، لزعزعة الصف الداخلي، وترهيب الأهالي في ظل ما يعانيه القطاع من حصار أصاب جميع أطرافه بالشلل الكلي.
متى ستبدأ الحرب الجديدة ضدنا"، سؤال يتكرر في قطاع غزة بتزايد مع بدء أطراف خارجة عن الصف الوطني ومتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي عبر بث شائعات والترويج لأخبار تهدف لترويع أهل القطاع وضرب روحهم المعنوية.
ويتكرر السؤال باستمرار ويبدأ صغيراً ثم يكبر، في حين تسعى بعض وسائل الإعلام الفلسطينية لنشر أخبار بدون التدقيق فيها عن نشر الاحتلال بيانات تحذيرية للسكان بغزة، ويستغل "عملاء" الاحتلال هواتف مجهولة الأرقام لتحذير مواطنين من قصف بيوتهم، ثم لا تقصف.
إذن هي حرب نفسية جديدة يراد منها إضعاف أهل غزة تتزامن مع تصاعد التهديد الإسرائيلي الرسمي والإعلامي ضد القطاع، فمن يروج لها؟ ومن المستفيد من هذه الشائعات؟
جزء من الحرب
الإخصائية النفسية هيام أبو الكاس عدّت الشائعات التي تروج في قطاع غزة جزءاً من الحرب النفسية التي تشن من قبل إسرائيل وأعوانها على القطاع لأنها تعتبره منطقة مزعجة.
وبينّت أبو الكاس للرأي أن الهدف من بث هذه الدعايات "السوداء" هو الوصول بالمجتمع طفي قطاع غزة إلى حالة من الانهيار وعدم اليقين والاستسلام وهو ما يؤدي إلى حرب نفسية أضرارها أكبر من الحرب العسكرية
واعتبرت أن مواجهة هذه الشائعات والدعايات وتحصين الجبهة الداخلية هو أكبر رد على ناقلي ومروجي الشائعات الذين يريدون بغزة أن تصل للهواية، داعيا إلى عدم ترويج الأخبار ونقلها إلا إذا تأكدت من مصادرها الرسمية.
وختمت أبو الكاس قولها:" الشائعة هي أسلوب قذر تستخدمه الدول في حربها النفسية ضد من عادت من الدول، ونجد في المراجع العلمية أن الألمان والأمريكان والصهاينة في عصرنا هذا هم أرباب وصناع الشائعة.. ولهذا تكافح الشائعة وتفند ويقضى عليها بالحقائق وحرية الرأي وبوسائل الإعلام".
كما يمكن مكافحة الإشاعات أيضاً باقتفاء أثرها ومعرفة جذورها ومصدرها، بالإضافة إلى الاطلاع على الحقائق من مصدرها فور سماع الخبر، وعدم ترويج الإشاعة أو ترديدها على حد قولها.
كارثة وطنية
الكاتب والمحلل السياسي محمود مراداوي قال :" شهدت الأيام الماضية اندفاعاً محموماً من غالبية رواد التواصل الاجتماعي باتجاه انتحال مهنة المراسل العسكري وتحليل البيئة المحيطة بغزة وتقدير الموقف منها.
وتابع مراداوي في تدوينة له :" الغريب أن الغالبية العظمى من المراسلين العسكريين الجدد تبنوا حتمية وقوع الحرب، وعاشوا في ظلالها وعايشوا الناس أهوالها وحركوا قوات وعززوا أخرى، وأطلقوا إنذارات ورسموا سيناريوهات ومرروا معلومات (كوبي بيست) بينهم متعلقة بالحرب فيما بينهم"، لافتاً إلى تخييم شعور لدى المواطنين بأن الحرب واقعة لا محالة، وانعكس على نفسياتهم وسلوكهم.
وتابع :" ما يجري كارثة وطنية تؤشر على قلة الحصانة وضعف الوعي إلى حد ما، فلا يعقل أن يندفع الجميع باتجاه تقديرات تعكس حالة نفسية لدى وسط واسع صُنعت بجهود ذاتية وتم اجترارها حتى تكثفت غيوم متلبدة في فضاء العالم الافتراضي دون حسيب أو رقيب.
وأضاف أن تقديرات العدو وسلوكه إعلامياً من خلال التصعيد ورفع السقف، ثم التهوين والتطمين، وارتباكه سياسياً من خلال الحركة السياسية والدبلوماسية المحمومة، وتحركاته عسكرياً من خلال القصف في سوريا والتلويح بقصف لبنان يؤشر أن الجبهة الأكثر تفجراً من جانب العدو الذي يبادر بالاعتداء في الشمال، ومع ذلك الصخب والضجيج يتدحرج مثل كرة الثلج على جبهة الجنوب في الفضاء وسائل تواصل الاجتماعي.
وشددّ على أن الحرب ليست بالأمر الهين كما يعتقد المحللون الجدد، ومن غير السهل الاندفاع إليها، فهي محكومة بضوابط وقيود ومحددات كثيرة، لكن أهمها غياب قدرة على تحقيق أهدافها من كلا المستويين السياسيين في الوقت الحاضر، وعدم استعداد الجبهتين الداخليتين لتقبل نتائجها وتحمل آثارها.
وقال :" يغلب الظن من المعطيات العملياتية التكتيكية ما يُقرَأ من الإجراءات الميدانية والتدريبات والمناورات وتحريك القوات وإجراءات الحيطة والحذر لدى المستويين العسكري والأمني في كلا الطرفين دفاعية تُبنى على فرضية وقوع مفاجأة واستغلال ظرف وقراءة السلوك المبني على فرضية وقوع الخطأ في الفهم والقراءة من طرف لسلوك وإجراءات الطرف الآخر.
واستطرد بالقول :" لا تُبنى على حتمية وقوع الحرب أو حتى ترجيحها، هذا لا يعني عدم أخذ كامل إجراءات الحيطة والحذر من كل المعنيين في ذلك مباشرة وترك أمر التحليل والتقدير والتوجيه لهذا المستوى وهذه الدوائر المختصة والمخوَّلة في التوجيه والتحذير وتحديد مستوى الخطورة وإجراءات الحيطة والحذر المطلوبة وإيصالها بالطريقة المهنية والمناسبة، وعلى قاعدة "لو كان عدوك نملة فلا تنم له" يعمل دائماً المعنيون .
وكانت وزارة الداخلية بغزة كشفت سابقاً على لسان ناطقها إياد البزم عن أن وزارته ستتخذ "إجراءات حاسمة" ضد من مروجي الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتأمين الجبهة الداخلية.
وأوضح البزم، "إن بعض الناشطين يتعمدون نشر الشائعات عبر مواقع التواصل من أجل إرباك الساحة الفلسطينية، وإثارة البلبلة بين المواطنين".
وأضاف البزم : "لن نسمح لأي شخص بترويج الشائعات، وبث أخبار كاذبة"، داعيا المواطنين إلى ضرورة التحقق من المعلومة قبل نشرها على مواقع التواصل.
ودعا البزم بضرورة التحقق من الأخبار، والتحلي بالأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، ونقل المعلومات من وسائل الاعلام الرسمية.

