تعددت الوجوه والسبيل الموت واحد ، فهذا يطعن بنفسه بسكين وآخر يعلق نفسه على حبل المشنقة ليتخلص من حياة يأس من تفاصيلها ، وآخر يشرب سم فئران ليتخلص من ضنك الحياة التي لا يرى بها فسحة لمزيد من الأمل لشحن همته، والعديد من الحالات والقصص التي لا انتهاء لها وضعت الحصار وضيق الحياة شمّاعة أسباب انتحارهم ,مع التغبيش على تفاصيل حياتية ربما تكون السبب الأساس وراء الانتحار .
هو الواقع المرير الذي يحياه المواطنين نتيجة الحصار المفروض عليهم من كل جانب منذ عشر أعوام، زاد فيها الضنك والفقر، ولكن هذا الواقع لا يبرر لهم الإقدام على الانتحار لأن النصر لا يأتي إلا بعد تمحيص واختبار.
ولعلها دقائق تفصل المقبل على الانتحار على فقدان الحياة،، ونظراً لغزارة الأخبار شبه اليومية عن إقدام أحدهم على قتل نفسه، فحتى هذه اللحظة لا توجد أرقام رسمية ولا حقائق وأسباب تثبت نسبة وجود التي يعتقد البعض منا أنها أضحت ظاهرة .
ومنذ بداية العام 2018 سجلت العديد من حالات الانتحار في قطاع غزة تبيانت فيها آلية الموت لمختلف الفئات العمرية .
وكان مراقبون ومختصون في علم النفس والاقتصاد، دقوا منذ فترة ناقوس الخطر في ظل تزايد حالات الانتحار في قطاع غزة، حيث تشير التقارير الحقوقية والطبية إلى أن هناك عشرات محاولات الانتحار شهريا لا يتم الإفصاح عنها.
ووصلت معدّلات البطالة حسب إحصاءات الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ إلى 43.2%، فيما وصلت معدّلات الفقر إلى 38.8%، بينما بلغ عدد الذين يعتاشون من مساعدات المؤسّسات الدوليّة كوكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين "الأونروا"، نحو مليون ونصف مواطن في 2017.
ماهية الانتحار
الأخصائية النفسية هيام أبو الكاس قالت إن الانتحار يعرف بأنه إقدام الإنسان بشكل متعمد وأحياناً مخطط لإنهاء حياته نتيجة عدم رضاه عن حياته أو معاناة ومشقة لا يستطيع التكيف معها، ونتيجة لاضطراب تفكيره فإنه يعتقد أن الهروب من المشكلة وتصفية حياته هو الحل.
وبينت أبو الكاس في حديثها "للرأي" أن كثيراً من محاولات الانتحار لا يقصد منها الشخص الذي يحاول الانتحار قتل نفسه؛ وإنما يقصد التهديد ولفت الانتباه، كالزوجة حينما تريد أن تلفت انتباه زوجها، والأبناء حينما يريدون لفت انتباه والديهم، وشخص ما يريد ان يلفت انتباه أحد في المجتمع، فهذا الشخص يحاول الانتحار وليس قصده في حقيقة الأمر أن يموت ولكنه يموت.
وبينت أن الانتحار الحقيقي هو أن يقصد الشخص فعلاً الانتحار وقتل نفسه، وهذه الحالة أكثر ما تكون وسط الرجال الذين بلغوا سن النضج وذلك بسبب مشاكل نفسية أو اجتماعية أو زوجية أو مالية.
والجدير بالذكر حسب أبو الكاس أن الشخص المنتحر الحقيقي غالباً ما يخطط لعملية الانتحار، وهذا الشخص كثيراً يترك ورقة أو دليلاً يقدم فيه اعتذاراً لأهله أو أقاربه أو يسجل وصية أو يسجل ما عليه من ديون، أو يسجل أي معلومات تفيد أنه انتحر.. ويستخدم في ذلك وسيلة قاتلة.
وقالت:" فمثلاً الرجل يستخدم وسيلة مرتبطة بعمله أو الوسيلة المتوفرة في مجال عمله مثال على ذلك الرجال الذين يعملون في المجال العسكري ويحملون أسلحة فهؤلاء يقدمون على الانتحار بقتل أنفسهم باطلاق النار، أما السيدات فغالباً ما يلجأن للانتحار بأخذ الأدوية أو بتناول المواد الكيماوية، وهناك طرق أخرى للانتحار مثل القذف من أعلى الجسر بالسيارة وغيرها الكثير من طرق الانتحار".
وأكدت على أن الكثير ممن ينجون من عمليات الانتحار يتم معالجتهم نفسياً للتعرف على اهم المشاكل والأسباب التي دفعتهم للإقدام على الموت من أجل التغلب عليها.
لا يرضى بقدره
رئيس لجنة الإفتاء في الجامعة الإسلامية د.ماهر السوسي أكد أنّ الانتحار محرم لأى سبب من الأسباب ومهما كان دافعه، وقد ورد كثير من الآيات والأحاديث التي تحرم قتل النفس، أو أن تُقتل من قبل أشخاص آخرين بأي حال من الأحوال.
وعن حكم الانتحار في الشرع قال السوسي " للرأي": "هو من كبائر الذنوب، وقاتل نفسه عمدًا مصيره الخروج من رحمة الله والتردّي في جهنّم خالدًا فيها أبدًا، ودليل ذلك، قوله (تعالى): "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا".
وتابع :" وما جاء في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومَن تحسَّى سمًّا فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا".
ويرى السوسي أن عوامل عدة قد تتشارك في لجوء المرء إلى قتل نفسه منتحرًا، ولكن تلك الأسباب مجتمعة تعود إلى سبب رئيس يتمثل في ضعف الوازع الديني لدى المرء، وتراجع الإيمان في نفسه من حيث الرضا بالقضاء والقدر.
وبين أن الذي يفكر بالانتحار يظنّ واهمًا أنه بذلك سينتهي من مشاكله وآلامه، وسيهرب إلى ما دونها، لافتاً إلى أن المنتحر يحاول الاحتجاج على ضيق عيشه أو مشاكل تلم به من خلال الانتحار، قائلًا: "وهو ما يُظهر ضعف شخصيته وجُبنه في مواجهة الواقع، ومشاكل الحياة، وكان حريًّا به أن يبحث عن السبل المتاحة كافة وغيرها لحلها، والعيش بالقدر الذي يرضيه إلى حد ما على حد قوله".
وبين السوسي لأن المنتحر تجرى عليه أحكام موتى المسلمين، فيُغسَّل ويُكفَّن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويورث ماله ويترحم عليه ويدعى له بالرحمة والمغفرة، كما قال العلماء.
ودعا د.السوسي إلى مراقبة الله (تعالى) في الأعمال والأقوال وكل شأنٍ من شئون الحياة، مطالبًا بالاهتمام برفع المستوى الديني لدى جميع أفراد المجتمع، من خلال إقامة الندوات الدينية، سواء داخل المؤسسات التعليمية أم خارجها.

