تمنى أن يحلق بدلاً عن طائرته المسيرّة في حدود سماء مدينة غزة، لتكن عينه هي من ترى المباني السكنية وهي نائمة على شواطئ المدينة المحاصرة، فكُتب لحلمه أن يتحقق في غضون أسبوعين، ليحلق عالياً بأجمل من حلمه الذي تمنى لو أنه تحقق.
ياسر مرتجى 30عاما، شاب صحفي عمل مصوراً في مؤسسة عين ميديا الإعلامية، اخترقت جسده المدرع بالزي الصحفي الذي كتب عليه "Press" رصاصة غادرة، فكانت هذه الطلقة كفيلة بأن تفتح له أفق السفر الذي حرم من نيله وهو بكامل حريته في قطاع غزة.
ولم يكن ياسر مرتجى صحفياً فحسب، بل كان أباً لطفل لم يتم بعد عامين من عمره، ليتسبب الاحتلال بحرمان هذا الطفل من أن يقول كلمة "بابا" بعد هذا اليوم، وكان الانساني وكان الصديق وكان الخلوق كما شهد له كل من عرفه.
على بعد 300 من السياج الفاصل كان يقف الصحفي ياسر مرتجى برفقة عدد كبير من زملائه الصحفيين، وقف يسجل مشاهد وصور ومقاطع بطولية لجماهير الشعب الفلسطيني المتظاهر سلميا أمام السلك الحدودي في جمعة الكوشوك، وهي الجمعة الثانية من مسيرات العودة.
وكما سيّرته رغبته بالتواجد في أماكن الخطر التي خلت من ضمانات الأمن المنحصر في تعمد استهداف الاحتلال للطواقم الصحفية، فكان ياسر يقف على بعد ثلاثمائة متر من السياج الفاصل، إلا أن هذه الوقفة الراصدة والموثقة لما يقوم به الاحتلال من جرائم بحق الشعب الأعزل، لم تمنع قناصة الاحتلال من الغدر به، فكان محط استهدافه برصاصة واحدة استقرت في أحشاء بطنه.
ليُسجل الشهيد الصحفي ياسر مرتجى أول الشهداء الصحفيين في مسيرات العودة وليس آخرهم، وذلك بعد إصابة العشرات من الصحفيين بإصابات مختلفة كلها كانت متعمدة، لإبعادهم عن ميدان التغطية الإعلامية للأحداث القائمة على الحدود.
الصحفي الشهيد ياسر مرتجى، والذي لُقب بشهيد الابتسامة الحية، فلم تغادره الابتسامة على امتداد صوره التي تصدرت على مواقع التواصل الاجتماعي وهو في مهامه وبرفقة أصدقائه وفي بعض مهامه الإنسانية، إلى أن توسم بها في مثواه الأخير وهو على أكتاف مودعيه.
أصدقاء الشهيد ورفقاء دربه في الإعلام، ودعوه بالدموع والتكبير والتقبيل، حتى أنهم تراموا أمام باب بيته منتظرين انتهاء ذويه من ودعاهم الأخير لجثمانه، ولطبع قبل الوداع على جبينه.
وكان لياسر العديد من القصص الإنسانية التي حاز على خصوصيتها واتسم بصاحب بطولتها، وخاصة قصته الخاصة مع الطفلة الناجية من حرب 2014 بيسان ضاهر، سيكون لـ"الرأي" دور في إبراز تفاصيلها وبعض خباياها.
الشهيد الصحفي ياسر مرتجى واكب ثلاثة حروب شرسة متتالية، كان خلالها يتصدر منصات التغطية الإعلامية وملاحقة المشاهد العدوانية وتوثيق الجرائم بكاميرته الخاصة، ووثق العديد من مشاهد القصف الصهيوني للعديد من الأبراج السكنية ونسفه للحياة الآمنة بغزة ضمن فريق عمله الخاصة "عين ميديا".
قوات الاحتلال زعمت أن استهداف الصحفي ياسر مرتجى جاء لامتلاكه طائرة مسيّرة تحمل كاميرا تلتقط صورا لجنوده، إلا أن الشهيد لم يكن يومها يمتلكها وكان فقط يرصد الأحداث ويوثقها بكاميرته.

