لم يجد الشاب جهاد عبيد"30" عاما من سكان النصيرات، إلا منزل أهل زوجته، ملجأ له من ضيق الحياة المعيشية والاقتصادية بغزة، خاصة بعد عجزه في إيجاد منزل صغير يؤويه وعائلته طوال الأشهر القليلة الماضية.
ويعمل جهاد في مطعم صغير على شاطئ بحر غزة، أكثر من 12 ساعة متواصلة، وذلك مقابل عشرين شيكل باليوم الواحد، لا تكاد تكفي لاحتياجات طفلته الصغيرة التي تحتاج للحليب والبامبرز بشكل مستمر.
وبالرغم من جده واجتهاده إلا أن أرباب العمل في المطعم الذي يعمل به لا يتمكنون من دفع أكثر مما يحصل عليه جهاد بسبب تفاقم الظروف العصيبة التي يعيشها القطاع المحاصر منذ أكثر من 13 عاما، وانخفاض عدد الزبائن الذين يتوافدون على المطعم.
يقول جهادفي حديثه لـ"الرأي": صاحب المنزل الذي كنت أسكن فيه قام بطردي بسبب عدم تمكني من دفع ثمن الإيجار لمدة شهرين متواصلين، ومن وقتها أصبحنا نعيش حالة من الشتات، ما اضطرني إلى السكن مع أهل زوجتي، إلى حين العثور على مسكن صغير أستطيع دفع إيجاره".
وتزوج جهاد عبر مؤسسة لتيسير الزواج بغزة، إلا أن الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي كان يعيشها، إلى جانب عدم تمكنه من الحصول على فرصة عمل ولو ببضعة شواكل، تسببت في تعرضه للكثير من المشاكل والأزمات نتيجة لتأخره في سداد ما عليه من مبالغ مالية للمؤسسة كل شهر.
ولا تتوقف معاناة الشاب الثلاثيني عند هذا الأمر، حيث تعاني عائلة زوجته أيضا من السكن في منزل بالإيجار، ولم يتم دفع الإيجار لصاحب المنزل منذ ما يقارب ثلاثة شهور متواصلة، في الوقت الذي يطالبهم فيه بدفع ما عليهم من متأخرات والا فالطرد سيكون مصيرهم.
تقول أم محمد جربوع التي قامت بإيواء ابنتها وزوجها وطفلتهما لديها رغم كونها تسكن منزلا بالإيجار:"أعتاش على مخصصات الشئون الاجتماعية وكوبونة وكالة الغوث" الأونروا"، ولكن هذه المرة تأخرت رواتب الشئون، وأخشى ما أخشاه أن يتم وقفها، حينها سأعيش أنا وأولادي في الشارع، كونها المغيث لي".
وتعيش أم محمد في منزل بسيط قامت باستئجاره برفقة زوجها المريض نفسيا وسبعة من أبنائها، حيث يذهب أغلبهم إلى المدارس، وتكاد لا تستطيع توفير لقمة العيش يوميا لهم، فيما تظل بانتظار كوبونة الوكالة كل ثلاثة أشهر أيضا والتي لا تفي احتياجاتها واحتياجات المنزل التي لا تنتهي، لكن ما يقوم بمنحها الصبر هو عطف بعض الصديقات عليها من خلال إعطائها الاحتياجات واللوازم الفائضة عنهن.
الطايح رايح
وما بين منزل وآخر، يتنقل المواطن أبو فارس الشريف على أمل أن يستقر مع عائلته المكونة من ثمانية أفراد بعد أن قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منزلهم خلال عدوانها الأخير على قطاع غزة صيف عام 2014.
وكلما استقر أبو فارس في منزل اضطر للرحيل ونقل ممتلكاته إلى منزل آخر، بسبب ارتفاع إيجار المنزل ومطالبة صاحبه بزيادة، أو بسبب تراكم الإيجار عليه واختلافه مع أصحاب المنزل.
ويعمل الرجل الخمسيني ميكانيكي سيارات وما يقوم بتحصيله آخر الشهر لا يفي باحتياجات أسرته، خاصة أن لديه زوجتين، ويحصل على 1000 شيكل شهريا، وهو لا يأتي شيئا مقابل احتياجات وطلبات الزوجات والأطفال، مثلما يقول.
ويضيف في حديثه لـ"الرأي": بعد معاناة مع التنقل هنا وهناك، استقريت مع عائلتي في منزل صغير مكون من غرفة ومطبخ وحمام وصالة صغيرة، وبالرغم من كونه لا يفي حاجتنا، إلا أننا نتمنى أن تتغير الأحوال والظروف"، مستطردا قوله:" الحياة باتت صعبة..ولم نعد نستطيع ملاحقتها على كل شيء".
ويؤكد أبو فارس أنه مديون لصاحب المنزل بشهرين متواصلين، وأنه لا يستطيع أن يقوم بالدفع في الوقت الحالي، قائلا" الطايح رايح".
ظاهرة حقيقية
من جهته يوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر بغزة د.معين رجب، أن ظاهرة معاناة العائلات مع الإيجار استجدت مع انتشار حالة الفقر المدقع بغزة، وانتشار البطالة بين فئات المجتمع الفلسطيني ككل.
ويقول رجب في حديث لـ"الرأي": كثير من الأسر تسكن في منازل مستأجرة، وبالتالي هي ملزمة بسداد الإيجار الشهري في موعده، وهذا حق لصاحب العقار، وهي علاقة تعاقدية يلتزم بها الطرفين"، مؤكدا أن الأوضاع التي يعيشها القطاع سواء كانت بطالة أو فقر بين الشباب والخريجين سببا رئيسيا في تلك الأزمات.
ووفق ما ذكره فإن فئة الموظفين الذين يسكنون في منازل بالإيجار أصبحوا أيضا غير قادرين على الالتزام بما عليهم من إيجارات بسبب انخفاض الدخل لديهم، واستلامهم جزء بسيط من الراتب الشهري.
"نحن أمام مشكلة حقيقة لا تعالج من خلال العواطف، لكن من خلال التعامل مع جذور المشكلة وإبعادها المختلفة حفاظا على النسيج الاجتماعي، وحفاظا على حقوق الأطراف" المؤجر والمستأجر"، يضيف رجب.
ويعزو رجب انتشار ظاهرة الخلافات بين المستأجرين وأصحاب المنازل ومعاناة العائلات المستأجرة، إلى الانقسام الحاصل بين غزة والضفة وتعثر خطوات المصالحة والجاذبات السياسية، مشيرا إلى أننا أمام مشكلة يجب الاهتمام بها إعلاميا، وتسليط الضوء عليها لأنها ظاهرة وليست حالات فردية.
وتعيش الكثير من العائلات الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من 13 عاما متواصلاً، أوضاعا إنسانية واقتصادية صعبة وقاسية، خاصة في ظل ارتفاع معدل البطالة وانتشار الفقر، وقلة فرص العمل وإغلاق المعابر الرئيسية بغزة وتحكم الاحتلال في الداخل والخارج.

