كعادتهن كل يوم، تنهمك مجموعة من المعلمات في مدرسة وفاء العامر في جحر الديك وسط قطاع غزة، بتجهيز وجبة الإفطار لـ500 طفل داخل المدرسة، يعانون ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة، ومن لا يملكون مصروفهم اليومي لشراء ما يرغبون به كباقي الأطفال الأخرين.
ساندويتشات من الشوكولاتة والزعتر والجبنة.. هذا ما أعدته المعلمات للأطفال لتوزيعها عليهم صباح كل يوم، في فترة الامتحانات من أجل تحفيزهم وتشجيعهم، الأمر الذي يظهر حجم التكافل والتراحم والمودة بين أطياف الشعب الفلسطيني.
تقول مديرة مدرسة وفاء العامر حنان مسلم:" إن الكثير من الطلاب داخل المدرسة يأتون دون تناول وجبة الإفطار، بالرغم من كونها وجبة هامة وضرورية لتفتيح عقل الطفل، وخاصة في فترة تقديم الامتحانات، لأن الطالب يجب أن شديد التركيز تجاه ما يتعلمه".
المبادرة الطيبة التي أقدمت عليها المعلمات داخل المدرسة، جاءت بعد أن شاهدن الكثير من الطلبة يظهر عليهم ملامح التعب والاعياء، ومنهم من فقد وعيه بسبب عدم تناول وجبة الإفطار، وهو ما دفعهن إلى التعاون وتوفير ميزانية بسيطة بشكل يومي تشمل كافة طلاب المدرسة، في وقت لا يتمكن فيه أهالي هؤلاء الطلبة من توفير الوجبة السليمة لأطفالهم بسبب ظروفهم المادية والمعيشية الصعبة.
وتضيف مديرة المدرسة في حديثها لـ"الرأي": إن المعلمات يراعين ظروف الطلبة داخل المدرسة خاصة فيما يتعلق بعدم قدرتهم على جلب ثمن أوراق العمل، أو بعض القرطاسية وتوفيرها في بعض الأحيان من جيوبهن الخاصة بدون اللجوء للإدارة، الأمر الذي يظهر مدى تعاطفهن مع الطلبة، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية القاسية والسيئة التي يعيشها الأهالي في قطاع غزة بسبب الحصار".
وبالرغم من كون راتب المعلمات بسيط جدا، إلا أنهن لم يبخلن بعطائهن تجاه الطلبة، حيث ساهمت كل واحدة منهن بمبلغ بسيط، وقمن بشراء الخبز من داخل أحد المخابز بغزة، وتعاقدن مع صاحبه على التخفيض باعتبار أن الأمر عمل انساني وتكافلي.
ويوجد داخل المدرسة 512 طالبا موزعين على 11 فصلا، وتحاول إدارة المدرسة بالتعاون مع المعلمات استيعاب الكثير من الطلبة، ومحاولة التخفيف عنهم ومراعاتهم في ظل الظروف العصيبة والنفسية التي يمرون بها، إلى جانب متابعة الكثير من الحالات المرضية، والأطفال الذين تحصل عائلاتهم على شئون اجتماعية واوضاعهم المعيشية سيئة.
ولم تتوقف معاناة الأسر الفقيرة بغزة إلى هذا الحد، حيث يضطر الكثير من الطلبة إلى المشي مسافات بعيدة من أجل الوصول إلى مدارسهم، في الوقت الذي تأكل فيه الشمس وجوههم الصغيرة والبريئة.
تقول المعلمة أماني الشريف وهي إحدى المعلمات داخل مدرسة بمخيم جباليا شمال غزة:" في أحد الأيام وخلال دوامنا بالمدرسة، شاهدت طفلا يجلس قرب إحدى الزوايا وهو يبكي بشدة وكان يظهر عليه التعب والاعياء، سألته عن سبب بكائه، وأدركت حينها أنه يبكي لأن معدته كانت تتلوى من شدة الجوع، فأرسلت بعض الطلاب لشراء بعض الطعام والحاجيات له لسد جوعه"، وفقما ذكرت لـ"الرأي".
المعلم مؤمن مشتهى، يستذكر أحد الطلاب في المرحلة الاساسية الدنيا، والذي أغمي عليه في الطريق عند مغادرته باب المدرسة بعد انتهاء الدوام المدرسي، وبعد أن تمت افاقته ورش الماء على وجهه تم تقديم وجبة من البسكويت والعصير له، بعدما قال بأنه لم يأخذ مصروفه اليومي منذ فترة طويلة ولم يتناول أي طعام منذ يومين سوي بعض المشروبات "الشاي ".
ويقول مشتهى في حديثه لـ"الرأي": قام نائب المدير بالاتصال على ولي أمره فورا ليرافقه الى المنزل واطلاعه على حالة الطالب، حضر والده وحالة الحزن واضحة عليه، وقتها صرح لنا بأنه فقد عمله من احدى المصانع العاملة بقطاع غزة نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب، حيث لا يوجد حركة تجارية في الاسواق الغزية نتيجة الحصار المفروض وبالتالي تفاقم الديون عليه.
ويحاول مشتهى زرع مبادرة التكافل، ومحاولة تقديم المساعدة للطلاب الفقراء سواء داخل المدرسة او خارجها، وعدم الاثقال على الاهل والالحاح عليهم بضرورة أخذ المصروف المدرسي، وقبول ما يتم اعطاءه للطفل من ساندويتش بيتي أو أي بديل عن المصروف نظرا للظروف المحيطة.
وتبقى مبادرات التكافل والتراحم بين أبناء الشعب الواحد بغزة، شاهد عيان على الظروف الصعبة التي يعيشها أهالي غزة في ظل الحصار الذي يفرضه الاحتلال منذ سنوات طويل، إلى جانب فرض العقوبات من قبل السلطة بدون مبرر واضح، الأمر الذي يتطلب النداء بصوت عالي "أنقذوا غزة"، حتى لا يبقى في غزة جائع أو محروم.

