دمعاتهم كالغصة تعترض ابتلاع الريق في الحلوق، وتدنو وجوههم من أكفها وهي تلهج بالدعاء مع اقتراب رفع آذان المغرب، ثلاث تمرات تقابل كل صائم، حتى ذاك الكرسي الفارغ تقابله ثلاث تمرات وكأس ماء بارد، كل العيون لم تصمد على حبس دمعاتها المنكبة وهي تراقب مقعد الشهيد "شاهر المدهون" الذي التصق بوجهه وحضوره.
لا رائحة تتصاعد للطعام في بيت الشهيد شاهر المدهون، فهنا المائدة لا يكتمل حضورها بغيابه عن أول أيام شهر رمضان المبارك، فكيف لرمضان أن يمر على زوجته وأمه وإخوته وهو الذي يفتتح موائده برفع صوته الندي بالدعاء والتهليل والمباشرة بكسر الصيام.
ثلاث أيام انقضت بعد ارتقاء "المدهون" شهيداً ليأتي شهر رمضان بجملة من الذكريات والأشواق التي يحملها لوجوب حضوره بين أفراد عائلته، وهي المرة الأولى التي سيكون لشهر رمضان بهجة جديدة مع طفله عبدالله الذي أتم عامه الأول، فكانت الغصة وفيض من الأحزان أولى المشاعر في هذا الشهر.
بيت الشهيد شاهر المدهون لا يختلف كثيراً عن بيت الشهيد أحمد الرنتيسي، فلا زالت سحابات الحزن تعلو أسقفه أينما ألقيت بعيونك، إلا أن الصبر والاحتساب هما مفتاح الهدوء والسكينة الذي يسكنه أهل الشهيد أحمد الذي ارتقى في مليونية العودة وكسر الحصار الذي يوافق تاريخ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة.
وكذا والدة الطفل محمد أيوب الذي ارتقى شهيداً في إحدى جمع الغضب التي تتصدرها حدود قطاع غزة مع الأراضي المحتلة فختم حياته بسجدة على أرضه التي تقترب من بلدته الأصلية "بربرة" بعد رصاص اخترقت رأسه، فكان الشهيد "محمد" فاكهة البيت ورجله الصغير في وقت واحد.
حتى زقاق مخيم البريج سيفتقد مزاح "محمد" مع الجيران ومع الصغار والكبار، ولن يساعد أمه في ترتيب موائد رمضان كما فعل في آخر جمعة قضاها مع أسرته، ولن يقدم المزيد من النصائح لأبيه بترك التدخين كرامة لقدوم شهر رمضان.
أكثر من شهر ونصف من جمع الغضب المنتفضة في وجوه الحدود والحصار والتضييق، وكان آخرها مليوينة الشعب الفلسطيني الذي خرج تنديداً واستنكاراً لافتتاح السفارة الأمريكية بالقدس المحتلة، وإحياء ليوم النكبة الفلسطينية بعد أن حلت عليها سبعون عاما.
أكثر من مئة واثني عشر شهيداً، والعدد مرشح للارتفاع نظراً لوجود إصابات خطيرة بعضها لاقت تحويلات للعلاج داخل مشافي الأراضي المحتلة، وبعضها الآخر قدم أوراقه الثبوتية لمشافي العلاج الخارجي في دول مصر وتركيا وبعض الدول الأوروبية وهي بانتظار فتح المعابر وتحويلها.
البيت الذي لم يحوي شهيداً، احتضن بين أركانه جريحاً بات حبيس فراشه، فمنهم العشرات ممن بترت أطرافهم، ومنهم المئات ممن أصيبوا بإصابات متفرقة في أنحاء جسدهم فألقتهم داخل المشافي أو فوق أسرتهم حتى التعافي.
أخيراً ما أن تحمر وجنات الشمس إيذاناً بالغياب، حتى يهرول الصائمون نحو بيوتهم، وتبدأ الطرقات بإفراغ نفسها من المشاة حتى يخيّل إليك بأنه لا يسكن في هذه الأحياء بشر، لحظتها يسكن كل شيء عدا المآذن، تنطلق دفعة واحدة معلنة عن موعد الإفطار، فيلتف الصائمون حول الموائد وتنغمس الرؤوس داخل الأواني الممتلئة بالأطعمة، حتى أن بعضهم من لهفة الجوع ينسى أن يردد: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله".
تُغلق البيوت على أصحابها، ويدفن القهر داخل الصدور، وتغدوا الأرواح متعبة منهكة، تصمت الألسنة إلا عن الدعوات الباطنة، وتنتظر تلك المائدة الصماء بأن يكسر أحداً عنها شبح الصمت المخيف ولو بكلمة واحدة، يتمدد الوقت أكثر وتتصوب الأنظار نحو فراغ الغائبين، فراغ يقطع الرغبة بكسر الصيام حتى برشفة ماء على الأقل، لتسبق الدموع المنكبة نحو أفواه الصائمين فتجبرهم على ارتشاف أولى أرزاق صيامهم.
ويأتي شهر رمضان المبارك هذا العام مثقلاً بالهموم والأحزان والكثير من الفقد والدموع الحارقة لقلوب المكلومين من الامهات والزوجات والأبناء، ولكن عزائهم الوحيد أنهم لاقوا مصائرهم في الجنان بين أصحابهم ورفاقهم كما رسموا أحلامهم في الدنيا.

