كان من المفترض أن يكونوا اليوم داخل القاعات وعلى مقاعد امتحانات الثانوية العامة، إلا أن رصاصات الحقد الصهيونية وضعت حدا لحياتهم، فكانت الفاصل بينهم وبين أحلامهم التي لطالما جلسوا مع أنفسهم يتخيلونها كيف تأتي، وعلى أي شاكلة تكون، كيف يخططون لمستقبلهم الذي ذبحه احتلال لا يعرف إلا لغة القتل وسفك الدماء.
بلال الأشرم، ومهند أبو طاحون، وإبراهيم الزرقة، حرمتهم رصاصات اخترقت أجسادهم فأوقفت طموحهم، وارتقوا بذلك شهداء في مليونية مسيرات العودة، لينالوا الشهادة قبل أوانها.
الشهيد بلال الأشرم، 18 عاما، في الصف الثاني عشر، الفرع العلمي بمدرسة خالد بن الوليد الثانوية للبنين بمخيم النصيرات، كان من أكثر الطلبة تميزا وجدا واجتهادا، وكان متفوقا إلى الحد الذي كان فيه أساتذته وزملاؤه يحبونه كثيرا.
مدرس التربية الدينية، الذي قام بتدريسه لمدة عامين، الأستاذ رائد غنيم، كتب بعد استشهاد بلال، يقول: "جاءني بعد امتحانات التجريبي الأخيرة، وسألني: كيف علامتي يا أستاذ؟ قلت له: رائعة! سألني: فوق التسعين؟! قلت له: نعم فوق التسعين، فأعاد السؤال: يعني فوق الخمسة وتسعين؟ قلت له: وبعدين معك يا بلال؟ فأعاد السؤال بابتسامته المعهودة، وبلهفته المعتادة: فوق الخمسة وتسعين يا أستاذ؟ قلت له: نعم فوق الخمس وتسعين، فمضى وهو يغني: فُوق. فُوق. فُوق!
وأضاف غنيم: "هذا العام كان بلال مختلفاً، بدا لي أكثر جدية، وأكثر اهتماماً، وأكثر رجولة، كنتُ أشرح وأحدق في عيون طلابي، وما وقعت عيناي على عينيه إلا ورأيته وهو يبتسم".
وكان الشهيد الأشرم يتوقع أن يكون من الأوائل على قطاع غزة، وكان يرغب في دراسة الطب في جامعة أكسفورد، إلا أن رصاصة حقد صهيونية عاجلته قبل أن يتمكن من تقديم امتحانات التوجيهي، وتحقيق حلمه الذي لطالما تمناه.
مهند أبو طاحون 21 عاما، من سكان مخيم النصيرات، كان يستعد بإصرار على تقديم امتحانات الثانوية العامة "منازل"، ولكن بالرغم من ذلك، لم تثنيه دراسته عن واجبه الوطني والمشاركة بالتظاهرات السلمية التي تطالب بحقها في العودة وكسر الحصار عن غزة.
رصاصة حاقدة من النوع المتفجر أطلقها قناص صهيوني، جعلته يرقد في غيبوبة، أبعدته عن الجلوس داخل قاعات امتحان الثانوية العامة، حيث جرى تحويله من غزة إلى المستشفى الأهلي في الخليل في الضفة الغربية لتلقي العلاج، إلى أن أعلن عن ارتقائه شهيدا.
أمنية مهند كانت في أن ينتهي من تقديم امتحانات التوجيهي وأن يحصل على النجاح، ليلتحق بعدها بكلية الحقوق، إلا أن تلك الأمنية لم تتحقق، واستشهد، ليبقى مقعده فارغا مثل مقاعد غيره من الشهداء الاخرين الذي قضوا خلال مشاركتهم في مسيرات العودة الكبرى على الحدود.
"ما تقلقي علي يما.. راح أجيلك شهادة ترفع راسك العالي وتفتخري في"، هكذا كان الشهيد إبراهيم الزرقة ابن الثمانية عشر عاما، يقول لوالدته، إلا أن والدته لم تتوقع أن يحصل على شهادة أخرى غير شهادة الثانوية العامة، إلا عندما وصلها خبر استشهاده خلال مشاركته في مسيرات العودة على الحدود.
شقيقة إبراهيم نشرت تغريدة على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي"فيس بوك"، وقالت:" من لما عرفت إنك عالحدود متخيلاك شهيد ليش.. قلبي أجاله هاد الإحساس ليش؟، كل جمعة بتروح وبترجع، واليوم، رجعت محمول ويرددوا لا إله الا الله والشهيد حبيب الله".
وفي الوقت الذي فقدت القاعات الدراسية لامتحانات التوجيهي بعض شهدائها، إلا أن هناك مصابين في مسيرات العودة يقدمون الامتحانات من على أسرة المشافي، في الوقت الذي فقدوا فيه جزء من جسدهم، فإما مصاب إصابة متوسطة أو هناك مصاب ببتر في قدمه، ولا زال يتلقى العلاج اللازم حتى يمن الله عليه بالشفاء.

