وسط خطوط النار، وبين ثنايا الموت الموزع على أنحاء الأرض الواسعة والممتلئة بالثوار ودخان غضبهم الأسود، يلاحق صاحب البدلة البيضاء ترامي الأجساد المصابة بالأعيرة النارية، ويحاول إخراج الأنفاس الحية من أجساد المختنقين بالغاز، يوزع "الكالونيا" على أنوف الفتية والشباب والنساء إلى أن يهرول مسرعا لانتشال جسداً همد باختراق رصاصة متفجرة.
لا فرق في ميدان المعركة بين المسعف والثائر الذي يغطي وجهه بالكوفية الفلسطينية ويسمح لعيناه بالظهور، ففي مقدمة خط الثوار يتقدم جيش المسعفين، كما الرصاصة تماماً، لا تفرق بين ثوار مسيرات العودة الكبرى وبين مسعفيها وأطبائها ونقاط الطب التي يحرم القانون الدولي الاعتداء عليها حتى في حالات الحرب.
منذ تاريخ الثلاثين من شهر مارس ومع انطلاق مسيرات العودة الكبرى السلمية على الحدود المحاذية للأراضي المحتلة، لم يراعي جنود الاحتلال سلمية الفعاليات التي أقامها الفلسطينيون إيماناً منهم بحق العودة إلى أراضيهم المحتلة، وقابل تجمهر العائلات والأطفال بوابل من الغاز السام والمسيل للدموع، واستخدم الرصاص المتفجر وقنص به الشبان والأطفال، ما خلف مئات الآلاف من الإصابات الخطيرة والمتوسطة.
ثلاثة عشر ألف إصابة سجلتها كشوفات وزارة الصحة، التي دأبت على الاستمرارية والمواصل في وقت قلت فيه الإمكانات الطبية، ونقصت فيه مستلزمات العمليات الجراحية، إلا أنها سجلت نجاحاً فائقاً في تخطي أزمات الأحداث التي مرت ولا زالت تمر بها أحداث مسيرات العودة الكبرى، لخبرتها السابقة في الحروب الثلاثة الماضية.
الإصابات التي تزاحمت بهم أقسام الطوارئ وخاصة في أكبر مجمع طبي في فلسطين، خضعت لمنظومة الصحة الإدارية التي أحكمت سيطرتها على الإصابات وتصنيفها، ومنحها ما يلزم من علاج، وإجراء العمليات الجراحية لجزء كبير منها.
جهود اسثنائية
استشاري الأوعية الدموية في مجمع الشفاء الطبي الدكتور تيسير الطنة قال إن الصحة وبعد عملها في ثلاثة حروب عصيبة، منحت خبرة عملية جادة في طريقة التعامل مع الإصابات الحرجة على وجه الخصوص، ما سهل عملية السيطرة على كل مصاب يصل أعتاب المستشفى.
وأكد الطنة على أن أروقة مشافي القطاع تعاني من نقص حاد في المستلزمات الطبية وخاصة بما يشمل الأوعية الدموية ونقص في الشرايين وحتى سائل البلودين الذي يستخدم لتعقيم الجروح، مشيراً إلا أنها بالمقابل غنية بالخبرات الطبية ونخب من أفضل الأطباء لعلاج الإصابات الحرجة على مستوي عالمي، وذلك ممن خاضوا تجارب لا بأس بها من العلاج والنجاحات.
وصنف الطنة طبيعة الإصابات، حيث كان أكثر من خمسة آلاف فلسطيني قد أصيب بالغاز السام، وسبعة آلاف منهم أصيب بالرصاص الحي، فيما قدر ما نسبته ثمانية عشر بالمئة إصابات بالبتر بين أوعية دموية وبين بتر بالعظام وخاصة بالأطراف السفلية.
وأوضح الطبيب الطنة أن الاحتلال يحاول استخدام الرصاص الحي بحق المتظاهرين السلميين، وقنص منطقة الركبة، وهي أكثر المفاصل ضعفا ما يسبب تهتك بالأوعية الدموية والعظام من الداخل والتوصل للنتيجة حتمية في بتر الساق.
وينمح الأطباء فرصة تقدر بعشرين بالمئة بالتخمين بعدم بترها وإتمام عملية توصيل الأوردة، فكان لبعض الحالات الحظ الجيد بقرار نجاح العملية الجراحية وعدم بترها، وأغلب الإصابات تكون نتيجتها الحتمية البتر بعد محاولات الهرب من تلك النتيجة بحسب الطنة.
ولفت الطنة خلال حديثه إلى أن نسبة البتر تتركز في الأطراف السفلية ما نسبته 98%، وهذا إجرام بحق الفلسطينيين فاق الأرقام والإحصائيات.
وتحدث الطنة عن المنظومة الإدارية التي تمتلكها وزارة الصحة الفلسطينية بغزة، على انها منظومة متكاملة تبدأ من نقاط التماس حيث خيام التمريض التي تتعامل مع حالة المصاب بكل مهنية لتهيئة وصوله إلى المستشفى، ما يسهل على أقسام الطوارئ استقباله وطبيعة التعامل مع حالته.
واتخذت مستشفى الشفاء بعض التدابير اللازمة التي تعجل من إجراء العمليات الجراحية، كان أحدها على سبيل المثال نقل مختبر الدم داخل غرفة العمليات ما عمل على اختصار الوقت و تسريع إجراء العمليات وعدم التسليم بالنتائج المخيفة للمصاب.
واختتم الطنة حديثه بأن وزارة الصحة ومجمع الشفاء الطبي على وجه الخصوص يعمل بأي طاقة وبأي إمكانيات متوفرة لديه، فكل حالات الاستنزاف التي تتعرض لها مستلزمات الصحة لا تعجز كوادرها الطبية ولا تعرضها للاستسلام.

