بعيداً عن الأراضي الحدودية المطلة على يد البطش "الإسرائيلي"، وبعيداً جداً عن ميدان مسيرات العودة وكسر الحصار التي لا زال صوت شبابها وأطفالها يصدح عالياً بفك الحصار والعيش بحرية فوق أرض فلسطين المحتلة بطرق سلمية، وبالقرب من أمكان الأطفال المخصصة للعب الحر دون تذاكر دخول أو تكاليف تجبر الأطفال على دفعها.
هنا داخل تلك المساحة الخضراء ينتشر الأطفال ويلهوا بين الألعاب المتفرقة، هاربين من عتمة بيوتهم وحر جدرانها برفقة أمهاتهم وعوائلهم، حتى يعم عليهم المساء دون تردد من قضاء بقية يومهم في ذات المكان، والذي لن يحصره انقطاع الكهرباء واختفاء نسمات "المراوح الاصطناعية".
ولكن فجأة، دون ذرائع ودون أسباب واضحة ودون مقدمات تحذيرية، تجاوزت الطائرات الحربية حدودها بضرب "متنزه الأطفال" والمكان الحر الذي خصص للعب والهرولة، بخمس صواريخ حربية محرمة دولية، ولكن "إسرائيل" حللت ضربها على الأطفال وأباحت قتلهم في المنتزهات والأماكن الآمنة، ولم تعد تؤمن بالمحرمات الإرهابية بحق الأبرياء من الأطفال.
الآلية وطريقة التنفيذ بانتهاج مبدأ "افتراس الأطفال" بطرق وحشية ووضعهم في حلقة الاستهداف المباشر والمتعمد لا زال يثبت همجية الاحتلال، ويكشف عن المزيد من السياسة الإرهابية التي لا تفرق بين طفل ومسن ورجل وشاب ومقاوم، ولا تفرق بين ميادين الاستهداف كذلك إن كان ملعباً للأطفال أو مسرحاً للفنون.
لم يكن متنزه الأطفال وحده شاهداً على حجم الإرهاب الممنهج لدى الاحتلال، إنما تفرقت الأماكن وتوحدت المشاهد لأطفال من عوائل وأسر مختلفة، والتهمة واحدة بأنهم أبناء هذه الأرض التي لم تخضع لذل أو هوان.
ميدان "مسيرات العودة" كان أحد الأماكن الذي شهد الإرهاب على أصوله، من خلال انتقاء الأطفال من بين المتظاهرين السلميين، فكانت آلة القنص "الاسرائيلية" تتعمد اختيار الأطفال عبر قنصهم في الرأس أو الصدر ما يؤدي لاستشهاده على الفور.
الطفل محمد أيوب، كان أحد الأطفال الذي شارك بأحداث مسيرات العودة، لكنه لم يقترب من منطقة السياج الفاصل، إلا أن آلة القنص اصطادت هدوءه وبراءة وجهه لينضم إلى قوافل الأطفال المستهدفين.
وكذا الطفل الشهيد ياسر أبو النجا أثار استهدافه موجة من الاستنكار على المستوى المحلي والسياسي والحقوقي، بعد أن انتشرت صورة له وقد اخترقت رصاصة متفجرة رأسه بمشهد يختصر مدى وحشية الاحتلال واستهزائه بكل القوانين والأعراف الدولية.
حصانة أممية
بدوره؛ أدان المركز الفلسطيني لحقوق الانسان مواصلة الاحتلال "الإسرائيلي" استهدافه للمتظاهرين السلميين الذين من بينهم أطفال عزل على السياج الحدودي، بعد الجرائم "الإنسانية" التي ارتكبها أمس، خلال الجمعة الرابعة عشر في مسيرات العودة الكبرى.
وقال المركز في بيان صحفي، "إن الجرائم المتكررة بحق الفلسطينيين، وتغوله في دماء الأطفال، ناتجة عن إفلات "إسرائيل" من العقاب، وما تتمتع به من حصانة بفضل الولايات المتحدة الأمريكية، ما يشج جيشها على اقتراف المزيد من الجرائم بحق المتظاهرين المدنيين مستنداً على قرارات رسمية من المستويات السياسية والعسكرية العليا".
وأكد المركز الحقوقي، أن قناصة الاحتلال أطلقت النار بشكلٍ متعمد وانتقائي تجاه المتظاهرين في التجمعات السلمية أمس الجمعة، وأدى ذلك لاستشهاد اثنين أحدهما طفلاً، بينما أصابت 124 مواطن بينهم 16 طفلاً، و3 نساء، و3 مسعفين، بالإضافة لإصابة صحفية بشكل مباشر.
وكشف أن الاحتلال انتهك المعايير الدولية إثر استهدافه الطواقم الطبية، ويعد ذلك مساساً خطيراً بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الحقوقي وأعرافهم التي تعتبر استهداف حرمة الطواقم الطبية انتهاكاً جسيماً وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
ودعا المركز المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إرسال مراقبين دوليين من المنظمات الأممية للتأكد من سلمية المظاهرات، وفتح تحقيقٍ رسمي في هذه الجرائم والإسراع بتشكيل لجنة تحقيق دولية لإخضاع "إسرائيل" للمساءلة والمحاسبة
وبحسب إحصائية لوزارة الصحة الفلسطينية، بلغ إجمالي عدد الشهداء خلال مسيرات العودة 134 شهيدا و15200 اصابة بجراح مختلفة واختناق بالغاز منهم 370 اصابة خطيرة، بينهم 16 طفلاً دون سن ال 18عاما بينما أصيب 2536 طفلا بجراح مختلفة.

