قذيفة حاقدة من دبابة إسرائيلية كانت كفيلة بأن تودي بحياة عائلة المواطن سامي أبو جودة من سكان مدينة رفح جنوب غزة، وأن يصبحوا في عداد الشهداء، إلا أن رحمة الله كانت فوق كل شيء.. ساعات طويلة من الخوف والارتجاج..نطق الشهادة كان على لسان الجميع، لحظات كانت تمر كأنها سنوات مثقلة، ولا أحد منهم كان على يقين اذا كان فجر اليوم التالي سيبزغ عليهم وهم أحياء أم لا..
"في العدوان الأخير على غزة عام 2014، كنت أرى الموت بعيني برفقة أبنائي وزوجتي، فقد حاصرتنا الصواريخ من كل حدب وصوب، ولم أدر ما أفعل، كنا نلفظ الشهادة على أرواحنا مرات عديدة، ورأيت جثث الضحايا من الشباب والأطفال والنساء في كل مكان، لكن لم أستطع فعل شيء، فقد كانت الطائرات تغطي سماء منطقة "البيوك" بعد فقدان الاحتلال لأحد جنوده في رفح، وهو ما دفعنا للجوء إلى المدارس للاحتماء بداخلها"، يستذكر أبو جودة.
وخلال الإعلان عن تهدئة إنسانية في رفح، حاول أبو جودة العودة برفقة أبنائه وزوجته لأخذ قسط من الراحة وتبديل ملابسهم واعداد بعض الطعام لأطفاله، إلا أنه وقبل وصول السيارة التي كانوا يستقلونها، شاهدوا المئات من المواطنين الأبرياء يهربون من كل ناحية فيما كانت الطائرات الحربية تمطرهم بوابل من الصواريخ التي جعلت الكثير منهم ما بين شهيد وجريح.
"مشاهد جثث الشهداء والجرحى المؤلمة، دفعتني لاستعجال السائق بالعودة للمدرسة والبقاء بها حين استتباب الأمور، حامدا الله على نجاتي وأسرتي بعد أن اخترق الاحتلال تلك التهدئة"، يقول أبو جودة لـ"الرأي".
الجمعة السوداء
وخرقت قوات الاحتلال التهدئة بعد ساعة من سريانها، في حين كان أهالي رفح بمنطقة البيوك وما يحيط بها يحاولون أخذ قسط من الراحة،وعاجلتهم الدبابات والطائرات الإسرائيلية بقصف مكثف وعشوائي للمدينة، بعد أن اكتشف الاحتلال أن أحد جنوده ويدعى (هدار غولدن) قد أُسر من قبل المقاومة الفلسطينية، وهو اليوم الذي لا ينساه الفلسطينيون وسمي هذا اليوم بـ"الجمعة السوداء" لأنها حصدت أرواح المئات.
وخلال العدوان كان مشهد استشهاد الفتاة أسيل صالح أبو محسن 18 عاما، مؤلما بكل الكلمات إثر قصف صاروخي من طائرات الاحتلال في منطقة المشروع برفح، حيث كانت تحاول إخلاء المنزل برفقة عائلتها، حين عاجلتها القذائف الصاروخية فأنهت حياتها على الفور، فيما لم يتمكن والدها من محاولة انقاذها بسبب شدة القصف.
أما الستيني أبو محمد العكر، فقد أصيب بنوبة صرع شديدة لا زال يتعالج منها حتى الآن، وذلك عقب رؤيته لمشاهد أشلاء الشهداء والجثث الملقاة في الشوارع والطرقات، في وقت كانت فيه الطائرات تقصف بشكل عشوائي وعنيف ودون أن تفرق بين صغير وكبير.
يقول العكر في حديث لـ"الرأي": قصفت الطائرات منزل مجاور لمنزلنا، المسافة بيننا متر واحد فقط، ومن شدة القصف، قمت بالجري وهو ما أدى لوقوعي على ظهري، فيما ارتطم رأسي في الباطون المقصوف،وجاءتنيالضربة في مؤخرة رأسي، تسبب ذلك في بطء بعض الخلايا في المخ حسب تقرير رئيس قسم المخ والأعصاب في مستشفى ناصر الطبي بخان يونس".
وتضرر منزل أبو محمد نتيجة القصف المتكرر للمنطقة التي يقطن بها، وعندما يستذكر ما تعرض له من مشاهد قاسية ومؤلمة للشهداء والجرحى والدمار، يغيب عن الوعي، فتفاصيل القصف والمجزرة أكبر من الحديث عنها.
مشاهد جثث الشهداء والجرحى الذين وضعوا في ثلاجات الخضار والمرطبات خلال العدوان على غزة، دفعت بالمئات من الصحفيين والنشطاء للتغريد مجددا على هاشتاج رفح بحاجة لمستشفى، وذلكضمن حراك شبابي للمطالبة بإنشاء مستشفى يلائم احتياجات محافظة رفح الصحية حسب أعداد سكانها.
مشفى يليق بالتضحيات
ويقول محمد الشريف أحد منظمي الحراك ومسؤول الاعلام بجمعية أصدقاء مجمع رفح الطبي:" إن هذا الحراك هو استمرار لحراك بدأناه قبل أربع سنوات، نعيد إعلاء صوتنا في ذكرى يوم الجمعة الأسود، لنقول لأصحاب القرار، لا نريد دماء حتى نؤكد حقنا بمستشفى يضمد جراح هذه المدينة التي يسكنها أكثر من ٣٠٠ ألف نسمة، مستشفى يليق بتضحيات رفح وصبر أهلها".
ويضيف في حديثه لـ"الرأي":" إنالمريض في رفح يضطر للسفر خارج المحافظة لتلقي العلاج من مشكلات صحية بسيطة، حدث ولا حرج عن العمليات الجراحية الصعبة، ومستشفى النجار يسمونه مستشفى وفي الحقيقة هو لا يزيد عن عيادة تقدم المسكنات فقط، ومؤخرا تحول هذا المستوصف الى ما يشبه نقطة إسعاف أو تحويل طبية، يتم من خلالها تحويل كل جرحى مسيرات العودة إلى مستشفى الأوروبي على أطراف خانيونس شرقا".
ويطالب الشريف بضرورة تنفيذ الوعود وتحويل الأقوال الى أفعال على الأرض، موضحا أنهناك قرار حكومي بأولوية بناء مستشفى في رفح وتخصيص مبلغ ٢٥ مليون دولار، متسائلا:" أين هذه الأموال؟ لماذا المماطلة وعدم وفاء رئيس الوزراءبحكومة الوفاق رامي الحمد الله بوعده الأرض موجودة، المخططات الهندسية جاهزة، لم يتبق الا أن تحويل المخصصات المالية وانطلاق قطار البناء، هذا حق وليس منة من أحد هذا أقل الواجبلرفح، أن نمنحها الحياة وقد منحت الحياة للوطن.
وارتكبت قوات الاحتلال مجزرة، وقع خلالها المئات من الشهداء، فيما ظلت جثثهم ملقاة في الشوارع والطرقات وبين الأزقة بسبب القصف العشوائي والعنيف للمنطقة التي يقطن بها، فكانت أشلاء الشهداء وجبة دسمة للكلاب الضالة خلال ساعات الليل بسبب عدم قدرة الطواقم الطبية على الوصول إليهم، وعدم وجود مستشفى قريب قد يلجأ إليه الهاربون من لهيب الصواريخ الحاقدة.

