قرية الفنون والحرف، مركز المسحال الثقافي، إغلاق مطابع وخلع أبواب ومصادرة معدات وأجهزة..هذه كلها محاضن للتراث الفلسطيني استهدفها الاحتلال الإسرائيلي ولا يزال يلاحق ما تبقى من الأماكن الأثرية والتاريخية العريقة، مرة بالتدمير والهدم، ومرة بالإغلاق وأحيانا بالمصادرة، في محاولة منه للتعتيم والقضاء على كل ما هو موروث ثقافي فلسطيني وصولاً للقضاء على الهوية الفلسطينية وفق اعتقاده.
قرية الفنون والحرف بغزة كان لها نصيب من التدمير الكبير بعدما شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي عدواناً كبيراً على قطاع غزة في منتصف الشهر الماضي، كان الأكبر والأوسع في منطقة "الكتيبة" التي تعرضت لقصف شديد أدى لتضرر كبير في المباني المحيطة، كقرية الفنون، ومسجد الكتيبة ومبنى الكتب الوطنية، ومبنى آخر تابع لجامعة الأزهر.
وتهتم قرية الفنون والحرف، بتنظيم المعارض الفنية، وبرامج تطوير فن الرسم في المدارس، والدورات الفنية المختلفة، وورش الحرف في القرية.
وتضم بين جنابتها أربعة بيوت أساسية: بيت البسط، بيت النحاس، بيت التطريز، بيت الخشبيات، حيث تشمل تلك البيوت مقتنيات تراثية وتاريخية قديمة كانت تعدّ مزاراً للسُياح المحليين والأجانب.
وتبلغ مساحة القرية 250م2، مصممة بإيحاء من الفن الإسلامي التقليدي، حيث شُيِّدت على شكل بيت تقليدي بعناصره المختلفة، فالأقواس والقبب والسقف العالي، والساحة الداخلية التي تتوسط البيت، تمتاز بشكلها الرائع.
محاولات الاحتلال لهدم المشهد القافي وطمس الهوية الفلسطينية لم تتوقف هنا، فقد طالت صواريخه الحاقدة مبنى مركز المسحال الثقافي المكون من خمسة طوابق، وهدمته وتم تسويته بالأرض، الأمر الذي أدى لإصابة 18 مواطناً بجروح مختلفة.
ويعمل المركز على نشر الوعي الثقافي والعِلمي، ويقدم نشاطات وخدمات متنوعة للأفراد والجماعات بالتعاون مع المؤسسات العاملة في ذات المجال لتحقيق التنمية المستمرة للمجتمع الفلسطيني في كافة مجالات العلم والثقافة، ومن أهم برامجه برنامج توثيق التاريخ الفلسطيني، كما يهدف المركز إلى العمل على المُساهمة في نهضة المجتمع الفلسطيني ومساندته.
ويحتوي المركز على مَسرح وقاعة مؤتمرات ومكتبة إلكترونية وتقليدية ومركز للدراسات والأبحاث، وقاعات معارض للفنون التشكيلية ومختبرات حاسوب
كما يضم مقار العديد من المجموعات الثقافية مثل "مقر الجالية المصرية، ومقر فرقة العنقاء"، وغيرها.
وفي إطار هدم الأماكن الثقافية والتاريخية، اعتدت قوات الاحتلال على مطبعة "المناهل" في منطقة بلاطة البلد شرقي مدينة نابلس بالضفة المحتلة، وقامت بخلع الأبواب وتفكيك ومصادرة معداتها والاستيلاء عليها بالكامل، وهو ما يندرج في سياق التحريض على المؤسسات الصحافية الفلسطينية، الذي طالت منذ 2016، 22 مطبعة في محافظات الوطن.
مخطط لتدمير الثقافة
من جهته يقول أمين عام مبادرة المثقفين العرب وأستاذ التاريخ الفلسطيني د. ناصر اليافاوي:" يبدو أننا اليوم أمام اكتمال الرؤية الصهيو أمريكية، واكتمال الصراع بكافة أبعاده، فمنذ نشأة دولة الاحتلال الوظيفية وهم يحاربون المساجد ويدمرونها لاعتقادهم أنها مصنع الرجال، ولكن اليوم دارت رحى العدوان لتشمل مؤسساتنا الثقافية".
ويؤكد اليافاوي في حديثه لـ"الرأي"، أن الأمر ليس وليد اللحظة، بل مكمل لما وضعته إسرائيل من أجندات حاولت بها طمس الثقافة والتراث الفلسطيني، لأنهما الدليل على امتدادنا في هذه الأرض منذ آلاف السنين.
ووفق ما ذكره فإن مخطط الاحتلال لهدم كل ما هو موروث ثقافي، يشمل إزالة وتغيير أسماء القرى الفلسطينية وتحريفها بأسماء توراتية، وتزوير التراث والآثار، ومحاولة نسب المنتج الفلسطيني الحضاري بشقيه المعنوي والمادي لهم.
"كما يتضمن مخطط الاحتلال لاغتيال الثقافة الفلسطينية، ملاحقة المؤسسات والجامعات الوطنية وإغلاقها تاريخيا، وأيضا اغلاق مؤسسة بيت الشرق في القدس منذ أكثر من عقدين من الزمن"، يضيف اليافاوي.
وحول قصف مركز المسحال الثقافي وقرية الفنون والحرف بغزة، يوضح أن غزة رغم قلة إمكانياتها وشدة حصارها وخنق ابداعاتها، تعتبر الحبل السري والخزان الوطني لفلسطين، وبعد فشل مراهنات العدو، اتخذ قرار غاشم لإخراس أو لجم بُعدها المادي والمعنوي، فكان قرار قصف عناوين ثقافية إبداعية شعبية ظنا منهم أن أهالي غزة سوف يستكينوا ويثبط عزمهم، ولكن غزة دوما كطائر الفينيق تنهض من وسط الرماد.

