أضحى "الشيكل" عبئاً ثقيلاً لا يطيق حمله الآباء فيختبئ من أطفاله خجلاً وعجزاً، وكلمة "الآباء" تشمل العاطلين عن العمل والموظفين في الحقول الحكومية وحقول العمل الخاص، فكلهم دون استثناء تحت مطرقة العقوبات المفروضة على قطاع غزة، حتى أن الأطفال بات يميزون بين ما يفرضه الاحتلال وبين ما تعاقب به السلطة مواطني القطاع.
على بعد مسافة قريبة من تزاحم الطلاب على شباك "مقصف المدرسة"، يخرج عدداً لا بأس به من الأولاد منتصرين بأشيائهم التي نجحوا في شرائها بعد معركتهم في التسلق ومد أيديهم الصغيرة إلى البائع، بينما يطيل بعضهم النظر إلى كومة الازدحام ويتمنى لو أنه يخوض معركة كالتي يخوضها أقرانه، ففراغ جيبه من "المصروف" يحرمه لذة الشعور بالانتصار، ما يصيب قلبه بخيبة أمل تبدأ معه وربما تلازمه مطلع عامه الدراسي الجديد.
يفتقد الطفل محمد مصبح سبعة أعوام شحنات التحفيز التي توصله إلى المدرسة يومياً، فلم يعد والده قادراً على توفير ستة شواقل "يومية" لستة من إخوته، فالأوضاع المادية لدى والده لم تعد كما السابق، حتى تحصيل شواقل مصروف أبنائه أصبحت ضمن لوائح عجزه أمامهم.
عاد الجميع إلى مدارسهم، في المحافظات الفلسطينية، على اختلاف الوجع والظروف التي يعيشونها، بينما طلاب غزة كانت عودتهم مختلفة، ولكن على الطلبة ان يذهبوا هذا العام الى مدارسهم، ولهم أحلام ككل أطفال العالم بحقائب جديدة، وأقلام ملونة، و" زي دراسي" يتماشى مع حداثة اللحظة.
"بدأ مشوار الشقاء، وبدأت الدروس اليومية لمتطلبات المدرسة ومستلزماتها، فالأولاد ينظرون لبعضهم ويشعرون دوماً بالنقص وعدم الاكتفاء بما لديهم"، يقول والد الطفل مصبح، والذي يعلن عجزه أمام تكاليف وأعباء عام أبنائه الدراسي الجديد.
"لا يمكنني إلا أن أعد أبنائي بأيام قريبة ستحمل الخير والرزق، وتلبي أحلامهم كلها بلا أدنى شك، وربما هذه الوعود التي لا أعرف لها ميعاد تعين أبنائي على مد أنفاس صبرهم أكثر، ما يخفف منسوب التذكير والمطالبة اليومية بكل ما يريدون وخاصة ما يلزم من مصاريف وأعباء لا أقدر على تلبيتها"، يكمل والد "مصبح" بلسان حال أبنائه الحالمين بواقع أكثر فسحة يتسع لطلباتهم الصغيرة.
حال الطفل مصبح ووالده الذي وصل لمرحلة متقدمة في إعلان بؤسه من الواقع الصعب الذي يعيشه يومياً وسط زقاق مخيم الشاطئ في قطاع غزة، يشبه تماماً حال الموظفين المعاقبين بإجراءات الخصومات الصادرة عن السلطة الفلسطينية في رام الله، ولا تبتعد كثيراً عن حال الموظفين الذين أجرت وكالة الغوث عقوبات الفصل التام بحقهم دون تراجع.
العودة إلى المدارس يحكمه المال في الصورة النمطية، فترى كثيرا من الأطفال قد عادوا اليوم بزي دراسي قديم بشكل لافت عن العام الفائت، أو بحقيبة قديمة ورثوها عن شقيق أكبر، وبحذاء أعادوا طلائه وإصلاح عيوبه وحياكة أطرافه من جديد، كان هذا واضحاً بازدحام الأهالي وأبنائهم على أبواب ماكينات "السكافية" على كثرة حضورهم داخل الأسواق الشعبية.
وفي ظل الظروف الراهنة التي يعيشها القطاع يبدو الحزن والانتظار والظرف السياسي الذي انعكس على الوجوه سائدا في صباح أول أيام المدرسة.
وتوجه قرابة مليون و300 ألف طالب وطالبة، صباح يوم الأربعاء، إلى مدارسهم في محافظات الوطن كافة، إيذانًا ببدء العام الدراسي الجديد 2018 - 2019، وفي تحدٍ لكافة الظروف التي تحيط بهم في ظل الحصار على قطاع غزة، فكل شيء في غزة يبدو مختلفا، على مشارف العام الجديد لتقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، والخصومات التي تجريها السلطة على رواتب موظفيها منذ ستة أشهر.
ويلتحق قرابة الـ830 ألف طالب في المدارس الحكومية، والبقية في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، يبدؤون بذلك العام الدراسي الجديد، والذي أعلن وزير التربية والتعليم العالي صبري صيدم أنه يُسمى "عام التعليم في القدس".
ومع بدء العام الجديد يتوعد رئيس السلطة محمود عباس بدفعة جديدة من العقوبات والإجراءات القاسية بحق قطاع غزة، في حال مرر بنود التهدئة ووقع على أوراقها ليحصل على ميناء حر بدون موافقته أو حضوره في المفاوضات التي تجري بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال بوساطة مصرية.

