"ربع قرن" هو العمر الزمني لاتفاقية أوسلو "المشؤومة" على الشعب الفلسطيني بتوقيع واتفاق مبرم بين دولة الاحتلال والسلطة الفلسطينية برئاسة الراحل ياسر عرفات، لكن العمر الافتراضي الذي بيعت خلاله كل القرارات والاتفاقات والمعاهدات والمبادئ والثوابت كانت أكبر من ذاك العمر الزمني.
"أوسلو" أحد الاتفاقات الخالدة والمقدسة لدى السلطة الفلسطينية، حتى أنها تعتبر نفسها قطعت إنجازاً كبيراً بما يخص ملفات القضية الفلسطينية تحت شعارات السلام والتسوية العادلة على طاولة المفاوضات، والبعد عن المشاحنات والمواجهات العسكرية مع الاحتلال الصهيوني، ما أودع الوجه المقاوم من فئات وأحزاب وفصائل الشعب الفلسطيني في خانات الاعتقال والاحتجاز والملاحقة والمنع.
اعتقال النوايا
وبعد مُضي "ربع قرن" على اتفاق أوسلو المشؤوم والذي كان عباس من أهم مهندسيه وأنشئت السلطة الفلسطينية مكبلة بالتزامات أمنية وسياسية واقتصادية، فإنه يمكن القول إن التنسيق الأمني بات في أوج مراحل تعاظمه، رغم الإعلان المتكرر من قيادة السلطة عن وقفه بسبب عدم إيفاء "إسرائيل" بالتزاماتها.
ومعنى التنسيق الأمني وفقا لاتفاقية طابا عام 1995، فقد نصت على أن السلطة الفلسطينية مسؤولة عن منع الإرهاب والإرهابيين واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم، ما يعني اعتقال من يشتبه برغبته ونيته مهاجمة الاحتلال وعلى زجه في السجون من دون محاكمة، ومنع العمليات ضد الإسرائيليين.
وعلى أساس الاتفاق الأمني، فإن "إسرائيل" والسلطة تتبادلان المعلومات حول أعمال خلايا حماس ومنظمات أخرى تُدعى بـ "الارهابية"، وتتقاسمان الأدوار في معالجة الاحداث الجنائية، وتنسقان العمل عند المظاهرات والمواجهات، وذلك من أجل الاستمرار في السيطرة على الوضع الراهن.
شركة خاصة
ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية بنابلس د. عبد الستار قاسم، أن استمرار السلطة في التنسيق والتعاون الأمني مع الاحتلال يعتبر إصرارا على الخيانة، ومخالفة التوجه الوطني.
ويضيف قاسم "الذي لاحقته السلطة بتنسيق مع الاحتلال الصهيوني عبر محاكمها لردوده الكلامية عبر وسائل الإعلام على اتفاقات السلطة وعدم اتفاقه معها"، أن العلاقة الأمنية مع الاحتلال لا يوجد مهادنة فيها أو تجميل لها، كون أن القانون الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية ينص على أن من يتخابر مع "إسرائيل" عقوبته الإعدام رميا بالرصاص.
ويوضح أنه وفق هذا التنسيق فإن أجهزة السلطة تعمل بشكل علني لخدمة الاحتلال الإسرائيلي والحفاظ على أمنه دون الحصول على أي مقابل لذلك باستثناء المصالح الشخصية.
ويتابع، "المقابل فقط هو لأشخاص السلطة الذين استفادوا بشكل شخصي من التنسيق وهو ما يدفعهم للمحافظة عليه وتعزيزهم وعدم الاستجابة للمطالبة بوقفه، والشعب الفلسطيني يدفع ثمن رفاهية هؤلاء الفاسدين".
ويشير إلى أنه بعد 25عاما من اتفاق أوسلو يجب أن تتولد لدينا قناعة بأن السلطة عبارة عن شركة لبعض المستثمرين الذين ينهبون أموال الشعب الفلسطيني.
اتفاق وحيد مطبق
وفي مقال كتبه مدير التحرير في صحيفة الرسالة رامي خريس، وبالرغم من أن الاتفاق نفسه داست عليه حكومة الاحتلال بجنازير دباباتها في أكثر من واقعة، وأكبرها كانت عملية السور الواقي وحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات، ومع ذلك بقي في اتفاق أوسلو بند واحد ووحيد هو الذي يتم تطبيقه فقط، وهو الوكالة الأمنية للاحتلال ويسمونه "التنسيق الأمني" وفيه أصبح المقاتلون مخبرين لصالح عدوهم.
وتابع خريس أن عباس لا يتبنى خيار التسوية فقط؛ بل يحارب أي خيار آخر يمكن أن يتبناه أي فصيل فلسطيني يتناقض مع التسوية، والغريب أن هذا التوجه لم يكن جديداً عند عباس ففي مقابلة صحفية سابقة مع جلعاد شارون قال إن عباس عندما التقى والده بمزرعته في النقب عام 1995، فوجئ عندما توجه إليه عباس شاكراً إياه على طرده المنظمة وقواتها من لبنان عام 1982، عندما كان شارون يشغل منصب وزير الحرب.
واختتم خريس مقالته بقوله :" من الواضح أن هذا سبب حرب عباس على غزة لا يريد لنموذج المقاومة أن ينجح أو (يتنفس) حتى يضمن البقاء الأوحد لخياره مهما كان فاشلًا ومشؤوماً عند الفلسطينيين".
جريمة تاريخية
وفي مقالة أخرى كتبها مدير تحرير وكالة وصحيفة الرأي الفلسطينية إسماعيل الثوابتة، بأن جوهر اتفاق أوسلو كان "التنسيق الأمني" حيث ساهم في إضعاف المقاومة الفلسطينية وملاحقة أبنائها واعتقالهم وتسليم عدد منهم للاحتلال في جريمة لا يمكن أن ينساها شعبنا الفلسطيني تكررت مرارا، بل وعمل الاتفاق الكارثي على توفير بيئة أمنية مريحة للاحتلال وقطعان مستوطنيه في الضفة الغربية الأمر الذي جعل الضفة والقدس مستباحة أمام الاحتلال والمستوطنين يسرحون ويمرحون بها كيفما ووقتما شاءوا.
وقال خلال مقالته اتفاق أوسلو شرخ الشعب الفلسطيني إلى شروخ متعددة بل وأحدث انقساماً سياسياً بين أبناء الشعب الفلسطيني، حيث جسّد الاتفاق مسارين اثنين، الأول: مسار التسوية وما يسمى بعملية السلام المزعوم المكذوب، والثاني: مسار المقاومة بكافة أشكالها والتمسك بالثوابت الفلسطينية وهو ما انعكس بعد ربع قرن على انقسام سياسي وجغرافي نتيجة الاتفاق إياه والذي يُعززه رئيس السلطة الفلسطينية بالعقوبات والانفصال.
وأكد الثوابتة على أن القضية الفلسطينية تتعرض إلى أخطر مراحلها بسبب اتفاق أوسلو وانعكاساته الكارثية على الشعب الفلسطيني، حيث أحدث حالة من الانهيار الفلسطيني، وإزاء كل ذلك هل المطلوب منا البكاء على الأطلال؟
وصدق من قال إن الشعب الفلسطيني يتجمّع على المقاومة ويتفرّق عند التنازلات، وبالتالي فإننا بحاجة إلى قيادة وطنية فلسطينية تستند على استراتيجية موحدة لمواجهة مشاريع التسوية والنهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني القائم على المحافظة المقاومة والثوابت وعدم التفريط في الحقوق والمقدرات الفلسطينية.

