أخبار » تقارير

دحيّة وسماقية وزفّة .. تراثٌ شعبيٌ في "مَلَكَة"

24 أيلول / سبتمبر 2018 12:40

دحيّة وسماقية وزفّة .. تراثٌ شعبيٌ في ملكة
دحيّة وسماقية وزفّة .. تراثٌ شعبيٌ في ملكة

غزة – الرأي - علي أبو شنب:

تحت قماش خيمةٍ تنتفض كلما مرّ بقربها الريح، يردد رجالٌ تحلّقوا على بعد أمتارٍ من حدود قطاع غزة شرقاً، الأناشيد الشعبية والمدائح النبوية التي تحكي شوقهم للعودة.

يصدح صوت أحدهم ينشد: "يا هل ترى ترجع بير السبع لينا، يا هل ترى ترجع يافا لياليها؟"، فيجيبه المتجمهرون ويعلو صوت أطفالٍ بينهم بالقول: "إن شاء الله ، إن شاء الله".

وسط تلك الأجواء الحماسية تقتحم رائحةٌ زكية أنوف الحاضرين، نساءٌ يقتربن من الخيمة يحملن فوق رؤوسهن صواني العشاء المطهو على نيران الحطب، باذنجان مشوي وفولٌ مدمّسٌ شعبي، وزيتٌ وزعتر، و"قلاية البندورة" المتوارثة هنا أباً عن جد، الغريب في الأمر أن معظم من يتشاركون العيش والملح تحت نفس الخيمة لا يعرفون بعضهم إلا قليلاً، جمعتهم "الحدود" تحت شعارٍ واحد: العودة حقٌ لا يسقط بالتقادم.

في صورة حية للفعاليات التراثية التي يحييها أهالي قطاع غزة قرب الحدود الشرقية للقطاع (تحديداً داخل مخيم ملكة) منذ أكثر من ستةٍ وعشرين جمعة، تحديداً منذ الثلاثين من شهر آذار مارس الماضي.

أجواء البلاد

يعلق "أنس" أحد شبان مسيرات العودة، عن ما تمثله المشاركة في المسيرة الأسبوعية بالنسبة له بالقول :"صارت مشاركتنا أسلوب حياة، كلما اقتربت من الحدود شعرت بأنني أقرب ما يكون إلى بلدتي هربيا المهجّرة منذ أكثر من سبعين عاما".

بين الخيام التي كُتب على باب كل واحدةٍ منها اسم "بلدةٍ أو قريةٍ أو مدينة مهجّرة"، تجلس الحاجة أم محمود بثوبها المطرز تعدٌّ للمتظاهرين "السمّاقية" (طعام شعبي مكون من السلق واللحم والسماق وطحينة السمسم) بمساعدة مجموعةٍ من الفتيات اللاتي تجمعن حولها ووزعن بينهن العمل.

تقول إسراء علي، :"الأجواء هنا دافئة جداً، الفعاليات الشعبية كثيرة، شاركنا في تطيير الحمام قبل قليل، وها نحن نصنع السماقية، وخبزنا الأرغفة على الحطب، وشاركنا في جلسات الإنشاد النسوية لأغنيات البلاد، التواجد هنا يبعث في النفس راحة غريبة، كأنه صوت خفي يخبرنا: هي بلادنا وإن ابتعدنا، هي بلادنا وستعود".

بالقرب من كل خيمة حولت الفتيات إطارات "الكوشوك" إلى تحف فنية لما لوّنتها، وزرعت بداخلها النعناع والريحان أو بعض الزهور الملونة، "هذه النباتات تجسد الأمل، كلما ذبلت ورقة نبت غيرها، ونحن مثلها تماماً" تعقب إسراء على نشاطاتها مع قريناتها.

يقطع حديثنا صوت زغاريدٍ قريبة، العريس رمضان أبو سكران عُقِد قرانه في خيمةٍ من خيام العودة داخل مخيم ملكة شرق غزة، فزفّه الحضور من أصدقائه هناك على أنغام الأنشودة الشعبية المعروفة :"قولوا لاموا تفرح وتتهنى، ترش الواسايد بالعطر والحنة، يا دار هنا وابنيها يا بنّـا، والفرح إلنا والعرسان تتهنّـا".

بالتزامن مع تلك الزغاريد تماماً تدخل المخيم نفسه زفة عريس من عائلة الحلو يجاورها باص إذاعة متوشح بأعلامٍ فلسطينية يصدح من سماعةٍ معلقةٍ فوق ظهره صوت يغني :"جينا وجينا وجينا جبنا العريس وجينا"، ليمشي خلفه المشاركون بالمسيرة -ومعظمهم لا يعرفونه- حتى ينهي جولته داخل المخيم فيغادر وخلفه زغاريد النسوة تودعه.

خيمة الوطن

وفي بطنِ خيمةٍ أخرى بـ "ملكة"، تقام أمسية شعر بمشاركة شعراء وكتاب وأدباء، بينهم من أُبعدوا من الضفة المحتلة إلى قطاع غزة.

أستاذ الأدب والنقد الجامعة الإسلامية وأحد عملاقة الكتابة عبدالخالق العف، أخذ عقول الحاضرين إلى الوطن السليب بقصيدته "صفد"، حين قال: "رئة اليمام يلفها شوق الوهاد ولا أحد، يلقي بأسوار النجاة إلى صفد، أتود رؤيتها بأحضان القتام يدوسها صلف الرياح المستبد؟".

بينما عند الباب -كأنما ردّ على سؤاله شبانٌ شاركوا بدحيةٍ فلسطينية :"يا أبو العقال وطاقية، لوّح وادبك ع الدحية، وشوفو غزة وهي بتحمي القضية .. هي هي هي".

بالقرب، جلست فتاةٌ فلسطينية اختبأت الحناء المنقوشة على كفها تحت طبقةٍ من العجين تعدُّ المسفّن (رقائق من العجين المخبوز بحبة البركة والكركم، اشتهر بها أهل المجدل)، بينما الدخان كان يتصاعد من أسفل الصاج الحديدي الحامي، وفي صينية قريبة وضعت (طبقاً من الزعتر، وبعض من حبات الزيتون الذي لمع تحت الشمس كدمعةِ شوقٍ للوطن).

تقول :"هنا أشعر وكأنني أعيش في عهد جدتي التي لطالما أخبرتني عن حياة البلاد قبل الهجرة، هنا أشعر بنقاء الحياة وبساطتها كما لو أنني لم أعرف التكنلوجيا قط".

وتستمع "سمر" (24 عاماً) بجلسات الإنشاد، وعروض الدحية، وتتأثر كثيراً بكلمات الأهازيج القديمة، تعلق :"في بعض اللحظات تدمع عيني، وأشعر كأنني أريد أن أجتاز الحدود وأمضي باتجاه بلدتي المسلوبة وليحدث ما يحدث وقتها".

غديوة العودة

في الجمعة الثالثة والعشرين من بدء المسيرات، خرجت المذيعة بقناة الأقصى وردة الزبدة "بإعلان هام" عبر حساباتها الشخصية في منصتي الفيس بوك والانستغرام؛ تدعو النساء والفتيات والإعلاميات وأمهات الشهداء والأسرى والجرحى للمشاركة في اللقاء النسوي السلمي في مخيم العودة شرق المدينة على مقربة من الوطن، لتناول ما تطهوه الأيادي الفلسطينية ضمن نشاطٍ أطلقت عليه اسم "غديوة العودة".

والغدّيوة كما يعرفها "الغزيون" لفظاً هي تصغير كلمة غداء، يجتمع المقربون خلالها لتناول طعامٍ بسيط، في أجواء من السمر والألفة.

حضر "الغديوة" كثيرات، ممن شاركن بمأكولاتهن المتنوعة ذات التراث الشعبي الفلسطيني، المقلوبة التي حضرت إلى المائدة كعروسٍ ينتظر الجميع أن يكشف عن وجهها سيما بعد قلب القدر بنجاح في منتصف الصينية، وظهور الأرز الأصفر، وقد تزين بالبطاطس الشقراء وبعض حبات الباذنجان ليتصاعد البخار حاملاً الأمنيات بمثل هذه "الغديوة" تحت زيتونات البلاد.

أخرياتٌ جهزن الملوخية، والبامية البلدية التي قطفت من الأراضي المجاورة لمخيم العودة، هذا غير الكبة السورية وورق العنب المحشو بالأرز واللحم، وأطباق الحلويات التي تنوعت بين الكعكة المخبوزة منزلياً، والكعك والمعمول وليالي لبنان التي كتبت معدته على وجهه بالفستق كلمة "يافا".

هذه الأجواء تتكرر كل جمعة، كلها تعبر عن أملٍ في عودةٍ قريبة إلى الديار المسلوبة حيث هناك سيكون لمثل هذه الفعاليات نكهة أحلى وأجمل.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟