في الوقت الذي يستسلم فيه بعض الناس لإعاقة ألمت بهم، فتسوَد الحياة أمام ناظريهم، ويروا نجاحهم وتحقيقهم لأحلامهم وطموحاتهم ضربا من المستحيل، إلا أن هناك أشخاصا آخرين حققوا نجاحات وأظهروا أن لا شيء مستحيل مع الإرادة، واستطاعوا تحدي اعاقتهم، وتحقيق ذاتهم والوصول بها إلى بر الأمان.
بعزيمة وتحدِ كبيرين، يمارس حسن أبو كريم "38"عاما رياضة الطائرة "جلوس" مع العديد من زملائه من ذوي الاحتياجات الخاصة، بعد اصابته عام 2006 جراء استهدافه من قبل طائرة استطلاع إسرائيلية، أفقدته ساقه اليسرى.
وفي عام 2007 قرر أبو كريم تركيب طرف صناعي لقدمه، فسافر إلى جمهورية مصر العربية، وخلال سفره التقى عن طريق الصدفة بفريق الطائرة جلوس من قطاع غزة، وأبدى رغبته في الانضمام للفريق، ثم تم تشكيل منتخب من ذوي الاحتياجات الخاصة في محاولة للمشاركة في بطولات خارجية، إلا أن الاغلاق المتكرر والمتواصل للمعابر حال دون تحقيق ذلك.
نجاح وطموح
يقول أبو كريم في حديث لـ"الرأي": أكبر نجاح حققته عندما تم تشكيل فريق كرة قدم للأشخاص مبتوري القدمين وهو الأول على مستوى فلسطين، خاصة في ظل ارتفاع عدد المصابين بالبتر"، مؤكدا أن الإصابة وسام شرف وأن الانسان يجب عليه ممارسة حياته بشكل طبيعي، والرضا بالقضاء والقدر.
ويبدي حماسته وشغفه بممارسة الرياضة بشكل يومي، الأمر الذي غير كثيرا من حياته بعد الإصابة، مشيرا إلى أن الإصابة لم تحرمه تحقيق ما يصبو اليه، وأن الإعاقة طريق جديد لفتح حياة جديدة.
يحلم الرجل الذي شارف على الأربعين، بأن يمثل بلده فلسطين في كل المحافل الدولية والعربية، ورفع علم بلده خارج الوطن، معربا عن رغبته في تحدي الاحتلال، قائلا:" مهما فعل الاحتلال فلن يستطيع من خلال الإعاقة أن يحرمنا شيء، فنحن حب الحياة أيضا".
أمنية ولكن
محمد أبو بيض 31 عاما، هو الآخر فقد ساقه اليسرى خلال جلوسه مع عدد من أصدقائه أمام باب منزله الواقع في حي الشجاعية شرق غزة في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، بعدما باغتتهم قذيفة دبابة حاقدة، فاستشهد كافة أصدقائه، فيما أصيب محمد ببتر في ساقه.
يقول أبو بيض في حديث لـ"الرأي":" تاريخ 10-7-2014 يوم مؤلم جدا بالنسبة لي، بعدما كنت لاعب كرة مميز في جميع أندية غزة، ولكن بالرغم من رغم فقدان ساقي إلا أنني أمارس حياتي اليومية بشكل طبيعي، ومعنوياتي عالية لإكمال مشواري الرياضي".
ويتابع:" في بداية إصابتي، كانت أموري صعبة جدا، ولكن مع استمرار الوقت حاولت التحسين من ظروف حياتي، وقررت أن أكون لاعب كرة مميز"، معربا عن أمنيته في المشاركة في البطولات الدولية، واعتماد فريقهم ضمن الأندية الأخرى.
ويعتبر اغلاق المعابر في قطاع غزة من أهم المسببات الرئيسية التي تقق عائقا أمام خروج فريق كرة الطائرة جلوس من أجل المشاركة في البطولات الخارجية.
احتضان شعبي وحكومي
بدوره يقول رئيس الاتحاد الفلسطيني لرياضة الطائرة جلوس ناصر لبد:" إن الاتحاد يضم سبعة أندية للرجال واثنان للسيدات من ذوي الاحتياجات الخاصة"، موضحا أن هؤلاء يكونون على قدر كبير من الانهاك الاجتماعي، وأيضا كارهين للحياة، ويشعرون بأن حياتهم مدمرة فيبقون حبيسو المنزل.
ويؤكد لبد في حديث لـ"الرأي"، أن الاتحاد يحاول تقديم التأهيل الصحي لذوي الاحتياجات الخاصة من خلال الرياضة، مثل تقوية العضلات والدخول في المنافسات الرياضة، موضحا أنه من المفروض أن يكون لديهم مشاركات في تركيا ولكن تم منحها للاعبين في الضفة الغربية بسبب اغلاق المعابر، وأيضا كان من المفترض المشاركة في بطولة بالجزائر وعمان ولكن الظروف حالت دون ذلك.
ويطالب لبد الحكومة الفلسطينية والمؤسسات الوطنية والمحلية بضرورة الاهتمام برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، منوها إلى أن ذوي الاحتياجات الخاصة يتمنوا الاهتمام والعناية والاحتضان من قبل الشعب والحكومة، لافتا في السياق ذاته إلى أن هؤلاء طموحهم واسع وكبير، ويفتخرون بإصابتهم واعاقتهم.
ووفق ما ذكره فإن ملعب كرة الطائرة جلوس يبلغ طوله 10 أمتار مقسم إلى قسمين، وعرض ستة أمتار مع شبكة بارتفاع متر و19 سم.
ويضم الملعب 12 لاعبا مقسمين إلى فريقين، فيما تمارس اللعبة باليدين والرأس والرجلين واللاعب جالس على الأرض ويمنع رفع نفسه.
وشن الاحتلال الإسرائيلي عدوانا كبيرا على قطاع غزة صيف عام 2014، استمرت 51 يوما، ارتقى خلالها نحو 2137 شهيداً فيما أصيب أكثر من 11100جريح.

