دخلت المقاومة الفلسطينية مرحلة جديدة ومحطة فارقة من الكفاح والمواجهة ضد الاحتلال "الإسرائيلي"، فبعد أن كانت بالأدوات البسيطة مثل الحجر والمقلاع والعمليات الفدائية؛ انتقلت إلى مرحلة الصواريخ والقذائف وصراع الأدمغة، وذلك بعد أن لاقت الكثير من الرعاية والاحتضان والدعم والمساندة في ظل حكم حركة المقاومة الإسلامية "حماس".
وعانت المقاومة قبل أن تمسك حماس زمام الحكم، من عمليات الملاحقة اليومية من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، إلى جانب اعتقال المقاومين ومصادرة أسلحتهم وعتادهم، وزجهم داخل السجون بدون وجه حق.
ويرى محللون سياسيون وخبراء أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وفي مقدمتها كتائب القسام باتت أكثر تطورا وقدرة وتنظيما، وتعمل على قدم وساق من أجل تطوير أساليبها وقدراتها القتالية والعسكرية، وذلك في إطار دعم واحتضان حركة حماس لها.
حكومة مقاومة
ويقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف: "إن حركة حماس ومنذ توليها سدة الحكم وهي حكومة مقاومة، حيث طورت من قدرات فصائل المقاومة الفلسطينية بغزة وقامت باحتضانها وعززت من أساليبها العسكرية، ولولاها لما وصلت المقاومة بغزة لما وصلت إليه".
ويؤكد الصواف في حديثه لـ"الرأي"، أن المقاومة في عهد حماس تختلف كثيرا عما كانت عليه في عهد السلطة الفلسطينية، فقد كان رجال المقاومة ملاحقون بشكل دائم، إلى جانب مصادرة أسلحتهم وعتادهم العسكري وزجهم داخل السجون.
ويضيف: "في ظل حكم حماس بات هناك إمكانية لتطوير قدرات المقاومة العسكرية والتكنولوجية، وقامت الحركة بدعم فصائل المقاومة التي طورت هي الأخرى من وسائلها القتالية، وأتاحت الفرصة لها للعمل بحرية في مواجهة المحتل الغاصب".
وعقب عدوان 2014، تطور سلاح المقاومة وتطورت كفاءة مقاتليها، وهو ما أثر على معادلة الردع التي أجبرت الاحتلال على احترام الواقع الجديد، فلم تعد غزة جناحاً يسهل كسره أو الانقضاض عليه.
وتطور عمل المقاومة ظهر جليا من خلال العمليات التي أربكت حسابات الاحتلال، وأفقدت قادته عقولهم، وأثارت جنونهم، وهو ما اتضح من خلال تنفيذ عملية العلم التي نفذتها ألوية الناصر صلاح الدين شرق مدينة خان يونس (جنوب قطاع غزة).
المقاومة في عهد حماس
وبدوره يقول الكاتب والمحلل السياسي د. يوسف رزقة الذي كان يشغل حقيبة وزير الإعلام الأسبق: "إن حركة حماس منذ تأسيسها وهي حركة مقاومة وطنية، وقامت باحتضان كافة المقاومين من أبناء الشعب الفلسطيني، وكانت توفر لهم كل الإمكانيات، وتعتبره عملا وطنيا خالصا، كما كانت تتعاون مع أسر الشهداء والجرحى والمصابين وترعاهم بشكل مادي ومعنوي".
ووفق ما ذكره رزقة لـ"الرأي" فإن الثقافة الوطنية التي زرعتها حماس أصبحت من قيم الشعب الفلسطيني، وباتت تشارك جميع الفصائل الوطنية في كل الأحداث وعلى جميع الأصعدة.
وحول تطور المقاومة وترعرعها في عهد حماس، يتابع رزقة: "في فترة انتفاضة الحجارة الأولى كانت المقاومة الشعبية بالحجر والمقلاع مقابل المدرعات والرصاص الحي، وبعدها توسعت الحركة الشعبية جاءت اتفاقية أوسلو العبثية وهدمت تلك الانتفاضة بدون مبرر".
ويستطرد قوله: "في انتفاضة الأقصى لم تكن حماس موجودة في الحكم ولكنها قادت أبناء الشعب الفلسطيني وكانت جزءً من الشعب تسعى لتحقيق أهدافه الوطنية"، موضحا أن حماس حركة من الشعب وغايتها تحرير الوطن واستعادة الحقوق المسلوبة.
وما يستدل على تطور المقاومة وتطور أداؤها هو تمكن مقاتلو المقاومة الفلسطينية من استهداف حافلة نقل جنود للاحتلال شمالي قطاع غزة، بصاروخ كورنيت.
وبثت غرفة العمليات المشتركة التابعة للمقاومة الفلسطينية، مقطع فيديو لاستهداف الحافلة التي أصابها الصاروخ بشكل مباشر، ما أدى لمقتل وإصابة من كان بداخلها.
مرحلة جديدة من المواجهة
بينما يقول الباحث العسكري رامي أبو زبيدة في حديث لـ"الرأي": "إن المُقاوَمَة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة، حيث استطاعت تهديد أمن الإِسْرائيليّين من جنود ومستوطنين وقتما تريد، من خلال القذائف والصواريخ على المستوطنات والمواقع العسكرية، ومع فشل كل محاولات الاحْتِلال لمنعها، دخلت كَتائِب القَسّام مع الاحْتِلال الإِسْرائيليّ في معادلة صراع جديد".
ووفق ما ذكره فإن المقاومة الفلسطينية تستثمر مرحلة الاستقرار والهدوء مع الاحتلال في تطوير أسلحتها القتالية والعسكرية، وإعداد العدة والعتاد لمقاومة المحتل على أسس قوية بما يكفل ردع أي عدوان، ومنع العدو من تحقيق أهدافه.
وأحدثت غرفة العمليات المشتركة التي أعلنت عنها المقاومة الفلسطينية إرباكاً كبيراً في صفوف الاحتلال، بعد أنّ ك الاحتلال في السابق يستهدف كل فصيل بعينه ويستفرد به على حدة، إلا أنّه الآن لا يستطيع ذلك ويواجه مقاومة متماسكة ومتوحدة.
دعم واحتضان للمقاومة
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. عماد الحديدي، أن حركة حماس وفرت للمقاومة الفلسطينية بكافة أذرعها الإطار الأمني الكامل، حيث وقفت ضد أي عملية اعتقال لأي فرد من أفراد المقاومة وسمحت لها بتصنيع وتطوير وسائلها القتالية والعسكرية.
وإلى جانب لك، وفرت حماس لفصائل المقاومة، أماكن التدريب ومساحات واسعة من الأراضي لكي تقيم عليها مواقعها التدريبية، كما وفرت لكافة أبناء المقاومة والفصائل، الظهور مع الشخصيات الميدانية بحيث لا يعترضها أي أحد، أو حتى ملاحقتها من قبل الأجهزة الأمنية.
ويتابع قوله لـ"الرأي": "إن حماس لم تقف ضد أي تنظيم يزيد من عدد أفراده، من حيث الاستقطاب للعدد داخل غزة، كما دعمت معظم الأجنحة العسكرية بالمال والعتاد والخبرات الأمنية، وفتحت الباب لهم للتدريب والتثقيف والاعداد والعلاقات العامة واللوجستية داخل المعاهد العسكرية.
ويؤكد الحديدي أن المقاومة قبل أن تمسك حماس سدة الحكم بغزة؛ كانت ملاحقة وكانت السلطة تقوم بمحاكمة المقاومين وأبناء الفصائل، وقد شهدت المحاكم حينها الكثير من المحاكمات التي زجت بالكثير منهم داخل السجون.
إلى جانب ذلك، كان هناك ملاحقات من قبل أجهزة السلطة للمعدات العسكرية الخاصة برجال المقاومة، وكثيرا ما صادرت السلطة العتاد العسكري لهم، مشيرا إلى أن المقاومة في ظل حكم حماس تخرج من كل عدوان أكثر صلابة وقوة، وتفاجئنا دوما بتكتيكات جديدة وأسلحة وأدوات مختلفة في الصراع مع الاحتلال.
ويستشهد الحديدي بما حدث خلال العدوان الأخير على غزة، حيث الأحداث فاقت توقعات الجميع بالرغم من أعداد الشهداء والجرحى، وما وعدت به كتائب القسام والفصائل الفلسطينية من قصف تل أبيب، وأمطرتها بالمئات من الصواريخ دون أن تتمكن القبة الحديدية من وقف الصواريخ.
ويضيف: "استطاعت حماس أيضا احتضان كافة فصائل الشعب الفلسطيني في حالة فريدة ونادرة في وقتنا الحاضر وهو "الهيئة العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار"، حيث أعطت القيادة للفصائل، بل أعطتهم رئاسة اللجان الفرعية التي تنضوي تحت الهيئة العليا، رغم أن نسبة حماس في كل هذه اللجان ضئيلة لا تتجاوز 6% وحماس على عاتقها جل الدعم المالي واللوجستي".
انتصار استخباري
انتصار استخباري مركب وصفعة جديدة وجهتها كتائب القسام لأجهزة استخبارات وأمن الاحتلال من خلال كشف قوة "إسرائيلية" خاصة تسللت على قطاع غزة شرق خان يونس، ومن ثم تمكنت الكتائب من نشر صور أفراد خلية الاحتلال "الإسرائيلي" علاوةً على الحافلة التي نَقلتهم.
وخلال مهرجان انطلاقتها الـ31، أعلنت حركة حماس أن طائرات التصوير التي تحلق في سماء ساحة الكتيبة حيث تجري الاحتفالات، هي طائرات "إسرائيلية" كانت كتائب القسام قد استولت عليها، كما ظهر أفراد الجوقة العسكرية التابعة لكتائب القسام، الذين كانوا يحملون صنوف من الأسلحة المتطورة، وأخرى على أكتافهم والتي برز منها "الكورنيت الموجه" القناص، ومُعدات عسكرية أخرى.
هذا الثبات الميداني وما يتضمنه من احتضان حماس لفصائل المقاومة، يدلل على استعداد المقاومة ويقظتها الدائمة وأن سلاحها حاضر في ساحات الشرف والفداء، وهي رسائل من المقاومة أنه مهما توالت تهديدات الاحتلال فهو يدفعها نحو مزيد من التلاحم والاستعداد الدائم والتجهيز، وعدم التفريط بأي من أسباب منعتها وقوتها.

