ما إن يعلن الراصد الجوي عن قدوم منخفض جوي شديد البرودة، حتى يبدأ القلق يتسلل إلى قلب المرأة الستينية أم محمد محسن، التي تسكن في منزل بسيط سقفه من ألواح الزينكو القديمة والمهترئة، فمياه الأمطار كعادتها في كل منخفض قوي تعكر صفوها وتحول ليلها إلى نهار، فتجلس باكية بين أكوام من الأواني التي وضعتها كي تمنع تسرب مياه الأمطار إلى حاجياتها.
هذا الحال لا ينطبق على أم محمد فقط، حيث تتسبب أمطار الشتاء الغزيرة في معاناة الكثير من العائلات الفقيرة، والتي لا تتمكن من السكن في منازل مبنية من الباطون الذي يقيها البرد القارس، في حين أن مياه الأمطار تشارك تلك العائلات مسكنها عقب تدفقها لداخل المنزل، وهو ما يقلق راحة الأطفال وشعورهم بالأمان.
معاناة شديدة
وأكثر ما تظهر معاناة الكثير من العائلات في فصل الشتاء ومع قدوم المنخفضات الجوية، تحديدا في المخيمات ومعسكرات اللاجئين بغزة، حيث تتدفق المياه داخل المنازل وهو ما يعرضها للغرق الشديد بسبب ضعف البنية التحتية للعديد من الشوارع والطرقات، وهو ما يجعل تلك المناطق أشبه بوديان تجري فيها المياه وخاصة مياه الصرف الصحي وخروجها إلى سطح الشوارع نتيجة ارتفاع منسوب المياه.
ومع ارتفاع منسوب المياه في الشوارع، يصبح المواطن في حيرة من أمره في كيفية اجتياز الشارع، فالمياه تكاد تغطي ساق الشخص المار، في حين تتسبب تلك المياه الغزيرة في حدوث إغلاقات تعيق حركة المواطنين بحرية، وتتسبب بحالة إرباك للأطفال وكبار السن من النساء والشيوخ.
وفي معسكر الشاطئ بغزة، تظهر حجم المأساة التي يعاني منها المواطنين، حيث الازدحام السكاني والعمراني وتلاصق المنازل ببعضها البعض، وبمجرد حدوث أي منخفض تبدأ الشوارع بالسيلان نتيجة غزارة المياه التي يرافقها خروج مياه الصرف الصحي والتي تسبب الأمراض الخطيرة والضارة بالأطفال والعديد من المارة.
وتقول المواطنة أم رائد غباين:" إن منزلهم يعاني من تدفق مياه الأمطار بالرغم من أن وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا" قامت ببنائه لهم حديثا، إلا أن انسياب المياه لداخل المنزل يعكر عليهم صفو حياتهم، حيث تصل المياه إلى الأغطية والأثاث".
وتؤكد غباين أن غرفة ابنها المتزوج تمتلأ بمياه المطر، في حين أن لديه طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها العام ونصف، وهو ما تسبب في حدوث رطوبة بالغرفة، وسيلان المياه داخلها، وهو ما اضطرهم لوضع بعض الأواني الكبيرة كي تمنع تسربها.
نعمة الشتاء ولكن
المواطن سامي أبو جودة، تضرر منزله الذي يقطن فيه بمدينة رفح جنوب غزة خلال العدوان الأخير صيف 2014، وبالرغم من محاولاته اصلاح ما تم هدمه نتيجة الصواريخ والقذائف، وتغطية سطح المنزل بالنايلون، إلا أن مياه الأمطار كانت تتدفق في كل زاوية من زوايا المنزل ذو الأسقف البسيطة من الاسبست، وكانت قطع النايلون تتطاير بفعل قوة الرياح والمنخفض، وهو ما كان يحَول ليل العائلة بأكملها إلى نهار.
يقول أبو جودة:" أغلب غرف المنزل بها أوعية وأواني كبيرة في محاولة لمنع انسياب المياه إلى الفراش والأغطية، ولكن رغم ذلك غزارة المياه تكون أسبق وهو ما يجعل نعمة الشتاء أشبه بنقمة بالنسبة لنا".
ويتابع قوله:" أصبحنا نكره شيء اسمه منخفض جوي، حيث يساورنا القلق والخوف من تسرب المياه لداخل المنزل، وهو ما يجبرنا إلى وضع الكثير من أغراض وفراش المنزل خارجه من أجل تنشيفه في الشمس".
جهود على مدار الساعة
من جهتها عملت لجنة الطوارئ في بلدية غزة على معالجة تداعيات وآثار المنخفضات الجوية التي تتعرض لها مدينة غزة، حيث توجد طواقم وفرق ميدانية تعمل على تصريف المياه ومعالجة الطفح الناتج عن الصرف الصحي، إلى جانب تنظيف مصافي مياه الأمطار والمناهل.
وقال نائب رئيس اللجنة م. رمزي أهل في حديث لـ"الرأي":" إن كميات مياه الأمطار كان أكبر من المتوقع، ولكن رغم ذلك عملت لجنة الطوارئ على مدار الساعة وكان لها دور كبير في سحب وشفط مياه الأمطار"، مؤكدا أن الفرق الميدانية قامت بشفط حوالي 70-80نقلة من تجمع مياه الأمطار.
وأضاف:" قامت الفرق أيضا بعملية تعزيل 25 منهل للمياه، وتنظيفها وتسليكها"، موضحا أن لجنة الطوارئ مكونة من رئيس البلدية، وأن اللجنة مكونة من 20-22 شخص من المدراء وغيرهم بالبلدية.
ووفق ما ذكره فإنه تم تقسيم عمل بلدية غزة لأربع مناطق، كل منطقة يتم مراقبتها جيدا، وخاصة المناطق الساخنة والمنخفضة التي تغمرها المياه، لافتا إلى أنه لم يتضرر أي منزل نتيجة المنخفضات الجوية ولم ترتفع المياه نتيجة لذلك.
إرشادات هامة
وأكد أهل أن الفرق الميدانية تعمل على تنظيف جميع مصافي مياه الأمطار، ولكن المواطن لا يلتزم بالنظافة العامة أمام منزله، وهو ما يتسبب بتراكم القاذورات والأوساخ التي تعلق في مناهل الصرف الصحي وتتسبب في اغلاقها مع قرب فصل الشتاء.
وتضمنت الإرشادات التي وجهتها بلدية غزة بضرورة المحافظة على النظافة، وعدم إلقاء القاذورات في الشوارع العامة، حتى لا تسبب انسدادا لمصارف مياه الأمطار، وعدم فتح أغطية المناهل في الشوارع خلال تساقط الأمطار.
وفي إطار استعداداتها لاستقبال فصل الشتاء والتعامل مع المنخفضات الجوية، نفذت طواقم بلدية جباليا النزلة صيانة وقائية لآبار الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
وأكدت البلدية أن فرق لجنة طوارئ الشتاء، قامت بتسليك مصارف مياه الأمطار وتنظيف الشوارع من الأوساخ المنجرفة مع سيول الأمطار، موضحة أن فرق الطوارئ تتواجد في شوارع المدينة على مدار الساعة، للتعامل مع أي حدث خلال المنخفض الجوي.

