أخبار » تقارير

العزم والمثابرة مفتاحا خريطة الأحلام

18 آب / أبريل 2019 12:25

الصم فئة مهمة في المجتمع
الصم فئة مهمة في المجتمع

غزة – الرأي - مريم محمد السقا:

نطقت بعينيها الفرحة التي عجزت عن نطقها بلسانها، ذاك الحين الذي علمت فيه بأن مدرسةً ثانويةً للصم فُتحت في غزة، لتحتضنها هي ومثيلاتها من ذوي الإعاقة السمعية؛ فسارعت على الفور للانضمام إليها، وهي التي أنهت لتوّها دراسة المرحلتين الابتدائية والإعدادية في جمعية أطفالنا للصم بمدينة غزة.

هذه الفرحة تكللت بالنجاح بعد إعلان الجامعة الإسلامية بغزة أنها ستتيح الفرصة لهذه الفئة في استكمال تعليمها العالي داخل الجامعة بعد أن تخرجوا من مدرسة صادق الرافعي الثانوية للصم.

ريم، تعثرت بأكبر عقبة طوال حياتها على مدار عقدين من عمرها، التي تمثلت في رفض والدها لتلقي تعليمها؛ فهو يرى بأن لا فائدة من تعليم الأصم، لا سيما إن كانت بنتًا؛ فبيتها نهاية مطافها بحد تفكيره، أضف إلى ذلك بُعد المكان، وصعوبة المواصلات، ورسوم الدراسة كذلك.

أجهض الحديث نظراتها المرتابة التي كانت في بداية اللقاء، ورسم ثغرها ابتسامة على وجهها بعدما كانت تشير عضلاته إلى غيومًا من الاستهجان.

تقول بلغتها الخاصة: "أنا كتير بحب الدراسة والعلم، عندي عقل وبفكر؛ ولكن أبي يرفض دائمًا دراستي، ففي البداية كان يبرر هذا ببعد المكان؛ فأنا أسكن في مدينة دير البلح، ودرست المرحلتين الابتدائية والإعدادية في جمعية أطفالنا للصم في غزة بعد توفر باص".

وتضيف: "انبسطت كتير لما سمعت بمدرسة الرافعي، إلا أن المشكلة الأولى كانت مشكلة الباص، وقد توفر لاحقًا، وكذلك الوضع الاقتصادي الصعب، وانبسطت أكتر لما عرفت أن الجامعة الإسلامية وفرت برنامج دبلوم، فقررت أكمل تعليمي".

ترسم بإشارات يديها كلامًا صامتًا، فتُحْيي الجمال في حرمه، فتشعر وكأن كل هواجسها تقطن داخل مرفأ الإرادة؛ شرارة عينيها، حركات يديها السمراويتين، عنفوانية روحها، وكل ما ملكت ذاتها؛ فلا أحد يستطيع إيقاف دقات عزيمتها طالما أنها تستنشق أكسجين الإصرار والإرادة.

تصف حماسها المتقد دائمًا، وحبها للدراسة، إضافة إلى تفوقها في الجامعة، وهي على عجلة من أمرها؛ فمحاضرتها على وشك أن تبدأ: "نفسي أدرس بكالوريوس كمان بعد الدبلوم، إذا أتيحت الفرصة لنا مرة أخرى، لأنه احنا عنا عقول زي السامعين".

كثيرة هي الرياح التي تعصف بداخلها، إلا أن روحها "كالنخل الباسقات لها طلع نضيد"، فمقابل هذه الرياح العاصفة، تنتفض روحها لتسجل إصرارًا أشد، فكما فهمنا منها، أن آخر إجراءات والدها كانت سحب جوالها منها.

ولم يقف عند هذا الحد؛ بل منعها من الذهاب إلى بيت صديقتها كي لا تدرس عندها أو حتى تطبق ما تعلمته من برامج التصميم في الجامعة، وفصل خط النت عن البيت، كما أوضحت انعدام التواصل الاجتماعي مع البيئة المحيطة، فوالدها يمنعها وشقيقاتها من الاختلاط مع الناس، والخروج من البيت، وتعليمهنّ في الجامعة، باعتبارهنّ بنات بالدرجة الأولى، كما أنهنّ صم.

ونفت وجود أي وسيط بينهنّ ووالدها للتدخل في أمر تعليمهنّ، باستثناء والدتها التي تقف سدًا منيعًا وتحارب لأجل بناتها، مشيرةً أنها تعمل في التطريز لتغطية مصاريفهنّ ورسوم تعليمهنّ، فها هي تحاول سد ما تبقى من رسوم ابنتها بعد أن حصلت الأخيرة على منحة جزئية من الجامعة، وأحيانًا تلتجأ لشئون الطلبة لتكملة ما تبقى من الرسوم، بسبب رفض والدها المطلق لدفع الرسوم رغم أنه موظف ويتقاضى راتب، على حد ما أوضحت.

بانشراحة صدر تحدثت عن علاقاتها في الجامعة هي وصديقاتها: "احنا بنحب الجامعة كتير، لأنه عنا مترجمين يساعدونا، واحنا البنات كمان بنحب بعض كتير، وعلاقاتنا جيدة مع بعض".

وتوجهت "ريم" بكلمة شكر للجامعة الإسلامية التي فتحت لهم الأبواب، وساعدتهم ليشقُّوا طريقهم، ووسعت مداركهم، وفتحت أمامهم الآفاق، وفقًا لما عبرت به بحركاتها الخاصة.

ريم، لم يفصل بينها وبين أحلامها سوى رفض والدها، ورغمًا عن إعاقتها السمعية، لم تقبل أن يكون هذا عائق؛ فهي التي تحدت كل الصِّعاب، وجعلت من كل العقبات ضفيرةً ألقت بها خلف ظهرها، يشد بعضها بعضًا، لتصبح بها أكثر حزمًا، كفتاة حسناء ازدادت جمالًا.

وعلى النقيض من حياة ريم، نشأت سماح في حضن أسرة متفهمة ساعدتها على مدار الأربع وعشرين سنة من حياتها، وتلقت الدعم من والديها وإخوتها، على الرغم من أن أحدًا منهم لا يعرف لغة الإشارة، ويحاولون فهمها من حركة شِفاهها، وهي الوحيدة بينهم تُصنَف ضمن الصم، كما أشارت لنا.

وعن أكثر المشاكل والصعوبات التي اعترضت طريق تعليم سماح، تمثلت في المواصلات باعتبارها المشكلة الأهم، فتقول: "احنا لازمنا باصات خاصة تاخدنا وترجعنا، بغض النظر عن قرب المكان أو بعده".

وتضيف بنبراتها الصامتة، وإشاراتها السريعة: "الكتب كانت كبيرة في مدرسة الثانوية، وكنا متعودين ع الكتب الصغيرة في جمعية أطفالنا، أما المعلمين كانوا كتير طيبين وجيدين".

وعبرت عن فرحتها الكبيرة واندهاشها بالجامعة التي رحبت بهم واستقبلتهم، وأنها وكل زميلاتها معجبين كثيرًا بالجامعة، لا سيما أنها وفرت لهم مترجمين خصوصيين، وعلّمت معظم العاملين فيها لغة الإشارة، حتى أنهم فرحوا بأمن الجامعة حين استقبلوهم بلغة الإشارة.

توزع سماح ضحكاتها على تقاسيم وجهها كلها، وتتحدث عن حفل تخرجها، وعن سعادتها العارمة هي وأهلها وأقاربها في ذلك اليوم؛ فها هي تمسك دفة سفينتها، متحمسةً لخوض كل الغِمار، ولكن محركها لا يعمل، فبعد هذه السنوات من تعليمها لا تملك أي فرصة عمل في بلد يصعب الحصول فيه على مثل هذه الفرص للسامعين من الناس، إلا أنها في النهاية تؤكد حبها لتوسيع مدارك عقلها من خلال المطالعة الثقافية والخوض في بيئة العمل.

ريم وسماح قصتان لا نهايات لهن؛ فكل نهاية ما هي إلا بداية لطريق جديد، والطموح الذي لا حد له يُحاك من خيوط العزم والإصرار، وأبطال هذه القصص لن تجد في قاموسهم مصطلح "يأس أو استسلام"، وكلما داهم الألم طريقهم قاوموه بالتحدي، وإذا ما انطفأ حلم جعلوا من رماده وقودًا لحلمٍ أجمل.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟